كيف تضخّمت الرواية عن أبي هريرة ؟؟!!

التراجم والرجال: الصحابة والعلماء وغيرهم
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 133
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

كيف تضخّمت الرواية عن أبي هريرة ؟؟!!

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

(استفز عقلك)
كيف تضخّمت الرواية عن أبي هريرة


لقد وجدتُ عند أهل الحديث أنفسهم – قبل غيرهم – أجوبة واضحة وصريحة تفسّر تضخّم الرواية عن أبي هريرة رضي الله عنه، وما نحتاجه اليوم ليس أكثر من الاعتراف بهذه الحقائق، لا الهروب منها بزعم أنّها تهدم الروايات الحديثية أو تُضعف مكانتها.

والحقيقة المؤلمة أن هاجس كثير من المحدّثين كان – وما زال – المحافظة على الروايات مهما اعتراها الضعف والاضطراب والحشو، ثم الإصرار على إلصاقها برسول الله عليه الصلاة والسلام، على أمل أن عقل المسلم قادر على التكيّف مع هذه المجازفات مهما كانت تطعن في مقام النبوة وفي دين الله تعالى وكتابه الكريم.

غير أنّ من يضع يده على الأدلة الباهرة التي تكشف ما وقع في صناعة الروايات من حشو وتدليس؛ لا يمكن أن يقع في الحرج، ولا يحتاج إلى إحراج عقول المسلمين بالتأويلات التعسفية، بل يسعى إلى كشف منابع الكذب والتزوير على رسول الله طالما كان الميزان الحق هو كتاب الله كأقوم هداية.

وفي شخصية أبي هريرة رضي الله عنه مثال واضح؛ إن الدارس والمتعمق في رواياته الكثيرة ومقابلة بعضها ببعض يكشف قدراً كبيراً من التعارض والتناقض والإشكال، حتى بلغ الأمر ببعض الوضّاعين أن نسبوا الوحي إلى أبي هريرة من دون رسول الله عليه الصلاة والسلام!

ولعلّ القاعدة التي نقلها ابن سيرين في منهجه في الرواية عن أبي هريرة – والتي سبق نشرها – تكفي لبيان أحد منابع تضخّم الرواية عنه، فكيف إذا أُضيف إلى ذلك روايات وهب، وهمّام، والإسرائيليات، وحديث أبي هريرة عن كعب الأحبار؟

وتذكيراً بهذه القاعدة، فقد روى الخطيب البغدادي عن ابن سيرين قوله: "كُلُّ شَيْءٍ حَدَّثْتُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ مَرْفُوعٌ".
أي إن ما رواه عنه موقوفاً فهو مرفوع.

قال العراقي:
"ووقعَ في الصحيحِ من ذلكَ ما رواهُ البخاريُّ في المناقبِ، حدّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثنا حمّادٌ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، قَالَ: قَالَ: " أَسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَجُهَيْنَةَ، - أَوْ قَالَ: شَيْءٌ مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ - خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ - أَوْ قَالَ: يَوْمَ القِيَامَةِ - مِنْ أَسَدٍ، وَتَمِيمٍ، وَهَوَازِنَ، وَغَطَفَانَ".

فهذه الرواية على مذهب ابن سيرين هي مرفوعة إلى رسول الله وليست موقوفة من كلام أبي هريرة، فيحمل كلام أبي هريرة هنا على أنه كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وخصوصا أن أبا هريرة هنا يعمل مفاضلة بين القبائل يوم القيامة، بمعنى ينقل عن الله من يفضل من القبائل يوم القيامة، على عكس ما أخبرنا الله تعالى به في كتابه العزيز... بأنه"وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا".

بل إن هناك رواية أشدّ غرابة نسبها البخاري إلى أبي هريرة مرفوعة إلى رسول الله، ولولا استحالتها تاريخياً وعقلياً لما استطاع النقاد ردّها، وهي قوله مرفوعاً:
"للعبد المملوك الصالح أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبرّ أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك".

قال السيوطي:
"والذي نفسي بيده. إلخ من كلام أبي هريرة ; لأنه يمتنع منه - عليه الصلاة والسلام - أن يتمنى الرق، ولأن أمه لم تكن إذ ذاك موجودة حتى يبرها."
غير أن الطامة الكبرى ليست في فعل ابن سيرين وحده؛ بل إنّ المحدّثين جعلوا صنيعه قاعدة، فصاروا يرفعون الموقوفات إلى النبي، لتنتقل من كلام الصحابي إلى كلام النبوة، فأصبحت كثير من الموقوفات شريعة وديناً يُحتج بهما من غير كتاب الله.

ويؤكد الطحاوي هذا المعنى فيقول:
"فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ هِشَامَ بْنَ حَسَّانَ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَلَمْ يَرْفَعْهُ ... قِيلَ لَهُ: لَيْسَ فِي هَذَا مَا يَجِبُ بِهِ فَسَادُ حَدِيثِ قُرَّةَ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يُوقِفُهَا عَلَيْهِ , فَإِذَا سُئِلَ عَنْهَا: هَلْ هِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ رَفَعَهَا."

وروى ابن عدي في نقد ثقات أهل بغداد قائلاً:
"وأما ما ذُكر عنه أنه _أي المعمري_ رفعَ أحاديثَ وزاد في المتون، فإن هذا موجود في البغداديين خاصة وفي حديثهم وفي حديث ثقاتهم فإنهم يرفعون الموقوف ويوصلون المرسل ويزيدون في الأسانيد، ولولا التطويل لذكرت شيئا من ذلك، والمعمري كما قال عَبد اللَّه بن أحمد لا يتعمد الكذب ولكن صحب قوما من البغداديين يزيدون ويوصلون والله أعلم".
وما يزال في كتب النقد الحديثي من هذه النصوص الكثير الكثير، وهي – لمن أراد الحق – بلسم وشفاء في الذبّ عن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن: يا ليت قومي يعلمون.


د.عمار الحريري
أضف رد جديد

العودة إلى ”التراجم والرجال: الصحابة والعلماء وغيرهم“