بيان بطلان وعدم صحة حديث: (( إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه))

مسائل فقهية عامة
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 179
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

بيان بطلان وعدم صحة حديث: (( إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه))

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

.
بيان بطلان وعدم صحة حديث: (( إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه))

من كتاب صحيح صفة صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم

بنى المتمسلفون عبادتهم على جرفٍ هارٍ في هذه المسألة، وقد عبَّر عن ذلك أحدهم إذ قال(1): [إذا طلع الفجر على الصائم وهو يشرب أتمَّ شرابه، وكذلك إذا كانت اللقمة في فمه أتم مضغها وابتلعها]. وذلك بناء على ما صححه لهم شيخهم الألباني المتناقض في صحيحته (3/381 حديث رقم 1394) وهو حديث الباب المذكور في العنوان أعلى!!

ولنشرع في بيان بطلان تصحيح الألباني المتناقض لهذا الحديث وتتبعه في الأسانيد التي جلبها في ذلك فنقول:
قال الألباني في "صحيحته" (3/381):
[إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه. أخرجه أبو داود (1/549حلبي) وابن جرير الطبري في "التفسير" (3/526/3015) وأبو محمد الجوهري في "الفوائد المنتقاة" (1/2) والحاكم (1/426) والبيهقي (4/218) وأحمد (2/423و510) من طرق عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال رسول الله فذكره، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وفيه نظر، فإن محمد بن عمرو إنما أخرج له مسلم مقروناً بغيره فهو حسن. نعم لم يتفرَّد به ابن عمرو، فقد قال حماد بن سلمة أيضاً: عن عمار ابن أبي عمار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله وزاد فيه: وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر. أخرجه أحمد (2/510) وابن جرير والبيهقي. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم وله شواهد كثيرة].

أقول: وقول الألباني هذا باطل لوجوه:
الأول: أن هذا مخالف للقرآن وهو قوله تعالى {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ} البقرة:187.

الثاني: أن هذا الحديث بطريقيه اللذين ذكرهما الألباني المتناقض ليس بصحيح كما صرَّح بذلك بعض جهابذة المحدثين المتخصصين بعلل الحديث من السلف وإليك ذلك:
قال ابن أبي حاتم في "العلل" (1/123) بعدما ذكر الطريقتين اللتين ذكرهما الألباني: [قال أبي: هذان الحديثان ليسا بصحيحين، أما حديث عمار عن أبي هريرة موقوف وعمار ثقة، والحديث الآخر ليس بصحيح](2).
وكرر ذلك ابن أبي حاتم الرازي ص 257 من المجلد الأول من علله. وقال المناوي في "فيض القدير" (1/378): ((قال في المنار: مشكوك في رفعه)).

الوجه الثالث: أن حماد بن سلمة ضعيف على التحقيق! وقد اعترف الألباني بذلك في عدة مواضع في كتبه!! ومن ذلك قوله في ضعيفته (2/333) حيث عَلَّلَ حديثاً بعدة علل منها حماد بن سلمة فقال: (إن حماد له أوهاماً)(3)!
وقد بينت في كتابي "تناقضات الألباني الواضحات" (2/77-78) أن الألباني نفسه يقول عن حماد هذا: فيه كلام! ناقضاً قول نفسه في مكان آخر: (متفق على جلالته وصدقه)!!
وقد جزم الذهبي في "الكاشف" (1/252) في حماد هذا بأنه يغلط. وبين الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (3/13) عن الحاكم أن مسلماً اجتهد في الصحيح فأخرج لحماد من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره(4).

قلت: وهذا مما لم يروه حماد عن ثابت! مع أن رواياته عن ثابت فيها ما هو مردود عندنا وإن وقعت في صحيح مسلم! وقال الذهبي في "سير النبلاء" (9/253) والحافظ ابن حجر في "التهذيب" (7/303) في ترجمة علي بن عاصم إن أحمد بن حنبل قال: ((كان حماد بن سلمة يخطىء، وأومأ بيده خطأ كثيراً ولم نر بالرواية عنه بأساً)). فالحمد لله أنهم اعترفوا بأنه كان يخطىء كثيراً! ومع ذلك لم يروا بالرواية عنه بأساً لأنه روى لهم أحاديث في الصفات والتجسيم والنصب يتمتعون بها! وقال السيوطي في "الحاوي" (2/226): ((إن حماداً تُكُلِّم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير، ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه، وكان حماد لا يحفظ فحدَّث بها فوهم فيها..)).

الوجه الرابع: أن محمد بن عمرو ضعيف أيضاً وكنت قد أوضحت ذلك مفصلاً في الجزء الثاني من "تناقضات الألباني" ص (240) ومن ذلك: قال يحيى بن سعيد ومالك: ((ليس هو ممن تريد)) وقال ابن حبان: ((يخطىء)) وقال ابن معين ((ما زال الناس يتقون حديثه)) وقال ابن سعـد: ((يُسْتَضْعَف)) وقد ذكر الألباني له شواهد وكلها ضعيفة لا تثبت مع مخالفة موضوع الحديث لما هو مقرر في القرآن، ولئلا أطيل ههنا فإننا نعقد فصلاً خاصاً في آخر الكتاب نبين فيه ضعف تلك الشواهد وأنها مردودة والله المستعان.

وأسقط من هذا ما عنون به الألباني هذا الحديث في صحيحته حيث قال:
[الإمساك عن الطعام قبل أذان الصبح بدعة]!!!

أقول: هكذا يجعل المعروف منكراً والمنكر معروفاً! والحق باطلاً والباطل حقاً بكل صراحة! مخالفاً لصريح قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ} البقرة:187!! وهو لا يحتاط ولا يرشد الناس ليحتاطوا في عباداتهم وخاصة في مثل هذه الأمور! مع أن العبادات مبناها على الاحتياط كما هو مفاد النصوص وأقوال الأئمة العلماء(5)! وصريح قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن بلالاً كان يؤذن بليل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر))(6).

قال الحافظ ابن جرير الطبري السلفي في "تفسيره" (2/176):
((وأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه شرب أو تسحَّر ثم خرج إلى الصلاة فإنه غير دافع صحة ما قلنا في ذلك، لأنه غير مستنكر أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم شرب قبل الفجر ثم خرج إلى الصلاة، إذ كانت الصلاة صلاة الفجر هي على عهده كانت تصلى بعدما يطلع الفجر ويتبيَّن طلوعه ويؤذن لها قبل طلوعه)).

قلت: وستأتي الأدلة على ذلك بعد إن شاء الله تعالى.

هذا وقد عقد البيهقي في "سننه" (4/218) باباً سماه (باب من طلع الفجر وفي فيه شيء لَفَظَهُ وأتم صومه استدلالاً) ورد فيه الاستدلال بحديث الألباني هذا الذي نحن بصدد الكلام عليه.
وقد استشكل الحافظ ابن حجر في "الفتح" (2/100) حديث ابن أم مكتوم الذي فيه أنه كان لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت حيث قال:
[قوله (أصبحت أصبحت) أي دخلت في الصباح، هذا ظاهره، واستشكل لأنه(7) جعل أذانه غاية للأكل، فلو لم يؤذن حتى يدخل في الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر والإجماع منعقد على خلافه إلا من شذَّ كالأعمش ...
وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال...].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) في "إرشاد الساري" قسم الصيام ص 44.
(2) ومن القول الباطل هنا قول بعض المتمسلفين لما اصطدم بقول ابن أبي حاتم وعلم أن الألباني لم يكن يعلم هذا ما نصه: إن أبا حاتم ينظر للإسناد ولا ينظر للمتن!!! وهذا خطأ فاحش لا سيما أن أبا حاتم هنا لم يبين جهة الضعف في الإسناد بل صرح بأنه موقوف والحديث غير صحيح من طريقيه. والشواهد التي جلبها الألباني لتصحيح هذا الحديث ضعيفة تالفة والأصل مخالفة الجميع للآية والأحاديث الصحيحة فلا بد من الحكم على الحديث والشواهد بالبطلان.
(3) والصحيح عربية أن يقال: (إن حماداً له أوهامٌ)، لكن الألباني ضعيف في العربية وأصحابه المتشدقون كانوا يصلحون له الكتب مرات من ناحية العربية قبل طباعتها! ثم يعيبون على الناس الضعف بالعربية ولا يعيبون على شيخهم ـ الألمعي المتناقض ـ بذلك!! فياللعجب!!
(4) ومنه تعلم أن قول لكع صاحب الإنشائيات الفارطة في إرشاده للصيام ص 72 عاد فانقلب عليه مع أنه مفلس في هذا العلم كما هو معروف ليس عندنا وعند المسلمين الذين يعرفونه فحسب بل عند المتمسلفين من أرباب نحلته وملته!
ومن ذلك قوله في صلاة التراويح: (أن عبد الرزاق الذي تفرد برواية إحدى وعشرين عن محمد بن يوسف قد عمي في آخر عمره، فتغير حفظه وصار يخلط ويلقن الحديث تلقيناً ولا يدري أمر هذه الرواية أكان سماعُها منه قبل أن يعمى ويخلط أم كان بعد ذلك، ومالم يعلم وقت روايته وسماعه لا يقبل فضلاً عن أن يعارض رواية الثقات)!!
قلت: ضحكت والله من كلامه هذا! لأنني أعلم أن هذا الإنشائي الأعشى في العلم والمخلط فيه لا يحسن هذا الكلام وإنما ينقله عن غيره فيردده كالببغاء!! ومع ذلك يقلد شيخه ويتبعه في تصحيح حديث حماد بن سلمة الذي نحن بصدد دكه وبيان بطلانه والرجل كان قد تغير واختلط وغلط كثيراً ودس ربيباه في كتبه ما شاء الله أن يدسا وتزوج سبعين امرأة ففعل هذا التزواج ما فعل بعقله!!
(5) قال الإمام الغزالي في "المستصفى" ص (198): [العبادات مبناها على الاحتياط].
(6) رواه البخاري في مواضع عديدة منها: (617) ومسلم (1092).
(7) أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال ((فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)).

أضف رد جديد

العودة إلى ”مسائل فقهية عامة“