الحديث النبوي الشريف والاحتجاج به في اللغة

مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 218
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

الحديث النبوي الشريف والاحتجاج به في اللغة

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

الحديث النبوي الشريف والاحتجاج به في اللغة

من كتاب القواعد اللغوية المبتدعة

الصواب أنه لا يُحتجّ به في اللغة على إثبات القواعد والأحكام ، وذلك لأنه روي بالمعنى وتناقلته ألسنٌ جَهِلَ بعضها العربية(1) ، وذهب إلى هذا القول

العلامة ابن الضائع(2) والإمام أبو حيان الأندلسي والإمام سراج الدين البلقيني(3) وكذا الإمام السيوطي .

قال السيوطي في كتابه (( الاقتراح في علم أصول النحو )) (ص 29) : [ وأما كلامه صلى الله عليه وسلم فيستدل منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المروي ، وذلك نادر جداً ، إنما يوجد في الأحاديث القصار على قلة أيضاً ، فإن غالب الأحاديث مروي بالمعنى ، وقد تداولتها الأعاجم والمولدون قبل تدوينها ، فرووها بما أدت إليه عباراتهم ، فزادوا ونقصوا ، وقدموا وأخروا ، وأبدلوا ألفاظاً بألفاظ ، ولهذا ترى الحديث الواحد في القصة الواحدة مروياً على أوجه شتى بعبارات مختلفة ، ومن ثم أُنكر على ابن مالك(4) إثباته القواعد النحوية بالألفاظ الواردة في الحديث ...

ومما يدل على صحة ما ذهب إليه ابن الضائع وأبو حيان أن ابن مالك استشهد على لغة ( أكلوني البراغيث )(5) بحديث الصحيحين : (( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ))(6) ، وأكثرَ من ذلك حتى صار يسميها لغة ( يتعاقبون ) ، وقد استدل به السهيلي(7) ، ثم قال : لكني أقول : إن الواو فيه علامة إضمار، لأنه حديث مختصر ، رواه البزار مطولاً مجرداً ، فقال فيه :

(( إن لله تعالى ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار بالنهار ))(8) . وقال ابن الأنباري في (( الإنصاف ))(9) في منع ( أنْ ) في خبر ( كاد ) : وأما حديث : (( كاد الفقر أنْ يكون كفراً ))(10) فإنه من تغيير الرواة ، لأنه صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالضاد ] .

وقال أبو حيان في كتابه (( التذييل والتكميل في شرح التسهيل ))(11) : (( قد لهج هذا المصنف في تصانيفه من الاستدلال بما وقع في الحديث في إثبات القواعد الكلية في لسان العرب ، وما رأيت أحداً من المتقدمين ولا من المتأخرين سلك هذه الطريقة غير هذا الرجل . على أن الواضعين الأولين لعلم النحو ، المستقرئين الأحكام من لسان العرب كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل بن أحمد وسيبويه من أئمة البصريين ، وكمعاذ والكسائي والفراء وعلي بن المبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفين لم يفعلوا ذلك ،وتبعهم على ذلك المسلك المتأخرون ، وغيرهم من نحاة الأقاليم كنحاة بغداد وأهل الأندلس(12) .

وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الأذكياء فقال: إنما تنكبت العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن الكريم في إثبات القواعد الكلية . وإنما كان ذلك لأمرين :

أحدهما : أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى(13) ، فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه صلى الله عليه وسلم ، فقال فيه لفظاً واحداً فنقل بأنواع من الألفاظ بحيث يجزم الإنسان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل تلك الألفاظ جميعها نحو ما روي من قوله : (( زوجتكها بما معك من القرآن ))(14) ، (( ملكتكها بما معك من القرآن ))(15) ، وغير ذلك من الألفاظ (16) الواردة في هذه القصة ، فنعلم قطعاً أنه لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ ، بل لا نجزم أنه قال بعضها ، إذ يحتمل أنه قال لفظاً مرادفاً لهذه الألفاظ غيرها ، فأتت الرواة بالمرادف إذ هو جائز عندهم النقل بالمعنى ، ولم يأتوا بلفظه صلى الله عليه وسلم ، إذ المعنى هو المطلوب ، لا سيما مع تقادم السماع ، وعدم ضبطه بالكتابة ، والاتكال على الحفظ ، والضابط منهم من ضبط المعنى ، وأما من ضبط اللفظ فبعيد جداً لا سيّما في الأحاديث الطوال التي لم يسمعها الراوي إلا مرة واحدة ولم تُمْلَ عليه فيكتبها .

وقد قال سفيان الثوري : (( إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني ، إنما هو المعنى ))(17) . ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين أنهم إنما يروون بالمعنى .

الأمر الثاني : أنه وقع اللحن كثيراً فيما روي من الحديث ، لأن كثيراً من الرواة كانوا غير عرب بالطبع ، ولا تعلموا لسان العرب بصناعة النحو ، فوقع اللحن في نقلهم وهم لا يعلمون ذلك ، ووقع في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب(18) . ونعلم قطعاً من غير شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفصح الناس(19) فلم يكن يتكلم إلا بأفصح اللغات وأحسن التراكيب

وأشهرها وأجزلها ، وإذا تكلم بلغة غير لغته فإنما يتكلم بذلك مع أهل تلك اللغة على طريقة الإعجاز ، وتعليم الله ذلك له من غير معلم إنساني ...

والمصنف(20) رحمه الله قد أكثر من الاستدلال بما أثر في الأثر متعقباً بزعمه على النحويين ، وما أمعن النظر في ذلك ، ولا صحب من له التمييز في هذا الفن والاستبحار والإمامة(21) ...

وقال لنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الحموي(22) وكان ممن قرأ على المصنف وكتب عنه نكتاً على مقدمة ابن الحاجب ، وقد جرى ذكر ابن مالك واستدلاله بما أشرنا إليه ، قال له : يا سيدي ، هذا الحديث رواية الأعاجم ، ووقع فيه من روايتهم ما نعلم أنه ليس من لفظ الرسول ، فلم يجب بشيء .

وإنما أمعنت الكلام في هذه المسألة لئلا يقول مبتدئ : ما بال النحويين يستدلون بقول العرب ، وفيهم المسلم والكافر ، ولا يستدلون بما روي في الحديث بنقل العدول ، كالبخاري ومسلم وأضرابهما ؟(23)

فمن طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث ] .
انتهى كلام أبي حيان بلفظه .

وقال أبو الحسن ابن الضائع في (( شرح الجمل ))(24) : [ لأنه قد تبين في أصول الفقه أنه يجوز نقل الحديث بالمعنى(25) ، وعليه حذاق العلماء . فهذا هو السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهادَ على إثبات اللغة بالحديث ، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب ، فلولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان الأولى في إثبات فصيحِ اللغة حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه من المقطوع أنه أفصحُ العرب ... وابن خروف(26) يَستشْهِد بالحديث كثيراً ، فإن كان على وجه الاستظهار والتبرك بما روي عنه صلى الله عليه وسلم فحسن ، وإن كان يرى أن من قَبْلَه أغفل شيئاً وجب عليه استدراكه فليس كما رأى ، والله أعلم ] .

وقال الإمام البلقيني في إحدى مراسلاته(27) : [ إثبات القواعد النحوية يحتاج إلى استقراء تام من كلام العرب ، ومجرد وجود لفظة في حديث ، لا تثبت به قاعدة نحوية ، وكذا مجرد وجود لفظة في كلام العرب ، والذي وقع للشيخ ابن مالك في ذلك في (( يتعاقبون فيكم )) وفي (( من يَقُم ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ))(28) ، وغير ذلك ، فالشيخ ابن مالك يجد الشواهد من كلام العرب لذلك الذي في الحديث ، فيأتي به كالاعتضاد لا لإثبات قاعدة نحوية بمجرد ذلك ، وشيخنا أبو حيان يتوقف في ذلك من جهة ما دخله من تغيير الرواة ، وأما ما نُقل عن العرب من منظوم ومنثور مع الاستقراء ، فذلك هو الذي تثبت به قواعد أبواب النحو ، والذي ذهب إليه الشيخ ابن مالك من الاعتضاد حسن راجح ، والله سبحانه أعلم بالصواب ] .


____________________________________________________
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) قال الحافظ تقي الدين ابن فهد المكي (ت 871 هـ) في كتابه (( لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ )) (ص 261) في ترجمة ابن الشرايحي : [ الإمام الحافظ المفيد جمال الدين أبو محمد ، ولد ببعلبك في يوم الثلاثاء التاسع من شهر رجب الفرد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ، ونشأ أمياً لا يقرأ ولا يكتب وكان حافظاً لا يُدانى في معرفة الأجزاء والعوالي ] ، فعلق الإمام الكوثري على هذه الترجمة بقوله : [ تراه نشأ عامياً لا يكتب ولا يقرأ كالمسند الشيخ يوسف الغسولي الذي يقول عنه ابن العماد : كان أمياً لا يكتب مع أنه من مشايخ الذهبي ، وكالمسند إسماعيل بن أبي عبد الله العسقلاني الراوي عن حنبل الرصافي وابن طبرزد ، وعنه يُقال أيضاً : أنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ، ولأمثالهم كثرة بين الرواة على اختلاف القرون بل غالبهم بمجرد تعلمهم حروف التهجي في الكتاتيب ينصرفون إلى الرواية وإلى ملازمة مجالس السماع من صغرهم قبل تحصيل مبادئ العلوم الضرورية فيبقون من أبعد خلق الله عن النظر والتبصر ] . قلت : ومن كان هذا حاله من الأمية وجَهِلَ القراءة والكتابة ، فكيف به يؤتمن على نقل نصوص العربية ؟!!! وليعلم أن عدم إتقان العربية كانت في كل عصور الرواة ووصلت إلى بعض الصحابة ، فهذا الصحابي أبو هريرة رضي الله عنه لم يعرف معنى السكين !!! وحتى بعد ورودها في كتاب الله تعالى !!! فقد روى مسلم في (( الصحيح )) (3/1344) ، وكذا البخاري في (( صحيحه )) أيضاً (3/1260) واللفظ له : ((كَانَتْ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا ، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا : إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ ، وَقَالَتْ الأخْرَى : إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى . فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ ، فَقَالَ : ائتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَتْ الصُّغْرَى : لا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا ، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى )) . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلا يَوْمَئِذٍ وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلا الْمُدْيَةُ . وأقول : إن لم يسمع بها في كلام العرب ، فكيف لم يسمع بقوله تعالى : { وءاتت كل واحدة منهن سكيناً }(يوسف/31) ؟!!! وهذه الآية مكية ، وأسلم أبو هريرة سنة سبع للهجرة كما هو مشهور ، فكيف لم يسمع بذلك !!!! [ تذكير ] : وأذكر أن ما نقلناه من تعليق الإمام الكوثري على ترجمة ابن الشرايحي ، قد استثار ثائرة نوبة العدوان عند محب الدين الخطيب الذي حاول أن يرد على الإمام الكوثري ، فصفعه الإمام بكتاب (( صفعات البرهان على صفحات العدوان )) ، وقد نُشر الكتاب مؤخراً بتحقيق وتعليق سماحة السيد السقاف مع مقدمة ضافية بيراعه المبارك ، فلتُراجع .
(2) هو علي بن محمد بن علي بن يوسف الكتامي الإشبيلي أبو الحسن المعروف بابن الضائع توفي سنة 680 هـ ، ترجمه السيوطي في (( بغية الوعاة )) (2/204) ، وقال عنه : [ وأما العربية والكلام فلم يكن في وقته من يقاربه فيهما ] .
(3) هو عمر بن رَسْلان البلقيني ثم القاهري الشافعي ، ولد عام (724 هـ) وتوفي في سنة (805 هـ) ، يُعد من تلاميذ التقي السبكي في الفقه ، وأخذ العربية عن أبي حيان ، قال عنه السيوطي في (( بغية الوعاة )) (2/397) : [ والبُلقينيّ كان إماماً في النحو ، وله فيه أبحاث وتحقيقات ومؤلفات ] .
(4) هو جمال الدين محمد بن عبد الله الطائي الشافعي ، صاحب (( الألفية )) ، توفي سنة 672 هـ ، ترجمه السيوطي في (( بغية الوعاة )) (1/130) ، والفيروزآبادي في (( البلغة )) (ص 201) ، والسبكي في (( طبقات الشافعية الكبرى )) (8/67) .
(5) هي لغة يلحق الفعل فيها علامة التثنية أو الجمع إذا ما كان الفاعل مثنى ظاهراً أو جمعاً ظاهراً ، إذ الأصل أن يُقال : أكلتني أو أكلنني دون ضمير الجمع ، كما أن الأصل أن نقول : ذهب الزيدان ، وجاء الزيدون ، أما على هذه اللغة فيقولون : ذهبا الزيدان ، وذهبوا الزيدون ، وهي لغة تنسب إلى طيء ، وأزد شنوءة ، وبني الحارث بن كعب ، وظاهر هذه اللغة مشكل لأنها توهم أن للفعل فاعلين : الاسم الظاهر والضمير .
(6) رواه البخاري في (( صحيحه )) (3/1178) ، ومسلم أيضاً في (( الصحيح )) (1/439) ، والنسائي في (( السنن )) (1/240) ، ومالك في (( الموطأ )) (1/170) ، وغيرهم .
(7) أورد السهيلي هذا الحديث ، ولكنه أنكر أن تكون الواو علامة إضمار ، خلافاً لما زعم السيوطي ، قال السهيلي في (( نتائج الفكر )) (ص 166) : [ قد تلحقُ الفعل علامة للتثنية والجمع قبل ذكر الفاعلين ، فليست حينئذ بضمير ] .
(8) ورواه بهذا اللفظ أحمد في (( المسند )) (2/257) ، قال الحافظ في (( الفتح )) (2/34) : [ وَوَافَقَهُمْ اِبْنُ مَالِكٍ وَنَاقَشَهُ أَبُو حَيَّانَ زَاعِمًا أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ اِخْتَصَرَهَا الرَّاوِي ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : (( إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ : مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ )) الْحَدِيثَ ، وَقَدْ سُومِحَ فِي الْعَزْوِ إِلَى مُسْنَدِ الْبَزَّارِ مَعَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَالْعَزْوُ إِلَيْهِمَا أَوْلَى ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ فِي (( الْمُوَطَّأِ )) ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ (( يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ )) وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ (( الْمَلائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ : مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ )) ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ (( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ )) فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي الزِّنَادِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ تَارَةً يَذْكُرُهُ هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا ، فَيُقَوِّي بَحْثَ أَبِي حَيَّان ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ الأَعْرَجِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَدْ رَوَوْهُ تَامًّا فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَة لَكِنْ بِحَذْفِ ( إِنَّ ) مِنْ أَوَّلِهِ ، وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَالسَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ (( إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَتَعَاقَبُونَ )) وَهَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبَزَّارُ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ (( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ فِيكُمْ يَتَعَقَّبُونَ )) ] . وملخص القول أن هذا الحديث قد اختلفت روايته في الصحيحين ، والرواية الثانية تعكر الاستدلال على لغة ( أكلوني البراغيث ) ، فيصبح الاستدلال بالحديث ضعيفاً ، وقول السيوطي : رواه البزار مطولاً مجرداً ، أي أن الفعل مجرد عن علامة الجمع الموجودة مع الاسم الظاهر لعدم إسناده إلى الظاهر بل إلى الضمير ، كما قال الصبان في (( حاشيته )) (2/68) .
(9) انظر (( الإنصاف )) (2/567) ، وعبارة الأنباري هناك : [ فإن صح فزيادة ( أنْ ) من كلام الراوي لا من كلامه عليه السلام ... ] .
(10) رواه القضاعي في (( مسند الشهاب )) (1/342) ، والبيهقي في (( شعب الإيمان )) (5/267) ، والأصبهاني في (( حلية الأولياء )) (3/53) و(3/109) و (8/253) ، وأخرجه العقيلي في (( الضعفاء )) (4/206) ، قال ابن الجوزي في (( العلل المتناهية )) : [ هذا حديث لا يصح عن رسول الله ] ، وضعف إسناده السخاوي في (( المقاصد الحسنة )) (ص 311) ، والعجلوني أيضاً في (( كشف الخفاء )) (2/141) . وهذه مشكلة !! فبعضهم يحتج بحديث ، ولا يكون صحيحاً !!!
(11) هذا الكتاب من مخطوطات دار الكتب المصرية ( رقم 62 نحو ) وموضع هذا النص فيه (5/168-170) ، ونقله أيضاً السيوطي في (( الاقتراح )) (ص 29-31) ، وعبد القادر البغدادي في (( خزانة الأدب )) .
(12) ولا يخرم ذلك أن يُقال أن سيبويه أورد في (( الكتاب )) قرابة سبعة أحاديث أو أكثر بقليل ، لأن ذلك على سبيل التقوية والاعتضاد بعد أن يقرر القاعدة ويُحْكِم القول ، فقد قال مثلاً في (( الكتاب )) (1/74) : [ ومما يُقوّي ترك نحو هذا لعلم المخاطَب ... ومثل ذلك (( ونخلع ونترك من يفجرك )) ] ، وكذا فعل السيرافي في (( شرح كتاب سيبويه )) ، بل إن حامل لواء الاعتراض على الاحتجاج بالحديث في اللغة أعني أبا حيان قد أورد من الحديث ما يؤيد قوله تقوية له كما في (( البحر المحيط )) في تفسير سورة البقرة ( الآية 245 ) ما نصه : [ وذهب بعض النحويين إلى أنه : إذا كان الاستفهام عن المسند إليه الحكم ، لا عن الحكم ، فلا يجوز النصب بإضمار أن بعد الفاء في الجواب ، فهو محجوج بهذه القراءة المتواترة ، وقد جاء في الحديث : (( من يدعوني فأستجيب له ، من يستغفرني فأغفر له )) ] . فانظر كيف احتج بالقرآن ثم أتى بالحديث ، وهذا ما عليه المانعون للاحتجاج ، فإنهم لا يمنعون أن يُأتى بالحديث تقوية للشواهد ، أما أن يُبنى عليه الأصل فلا .
(13) قال الحافظ في (( الفتح )) (9/415) : [ وَفِيهِ جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى وَالاخْتِصَار مِنْ الْحَدِيث ، والاقتِصَار عَلَى بَعْضه بِحَسَبِ الْحَاجَة ، فَإِنَّ الْوَاقِعَة وَاحِدَة وَقَدْ رُوِيَتْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة وَزَادَ بَعْض الرُّوَاة مَا لَمْ يَذْكُر الآخَر وَلَمْ يَقْدَح ذَلِكَ فِي صِحَّته عِنْد أَحَدِ الْعُلَمَاء ] .
(14) رواه البخاري في (( الصحيح )) (4/1919) ، والترمذي في (( السنن )) (3/421) ، وأبو داود في (( سننه )) (2/236) ، وغيرهم .
(15) رواه البخاري في (( الصحيح )) (4/1920) و (5/1956) و (5/1969) ، والنسائي في (( السنن الكبرى )) (3/312) و (3/320) ، وأبو يعلى في (( مسنده )) (13/532) ، وغيرهم .
(16) كرواية : (( أملكتكها )) كما عند أحمد في (( المسند )) (5/334) ، والبيهقي في (( السنن الكبرى )) (7/144) ، وعبد الرزاق في (( المصنف )) (7/77) ، والطبراني في (( المعجم الكبير )) (6/181) . وهناك رواية : (( أنكحتكها )) ، وهي عند البخاري في (( الصحيح )) (5/1977) ، والدارقطني في (( سننه )) (3/248) ، وأحمد في (( المسند )) (5/330) ، ومالك في (( الموطأ )) (2/526) .
(17) كما في (( علل الترمذي )) (ص 746) .
(18) ولما كثر الوهم بين الرواة والمحدثين قام أهل العلم لاستدراك أغلاطهم والتنبيه عليها فصنفوا المصنفات في ذلك ، فألف الإمام أبو سليمان الخطابي (ت 388 هـ) كتاب (( إصلاح غلط المحدثين )) ، وهو تقويم لما وقع فيه المحدثون من اللحن في العربية في نقلهم للحديث .
(19) ومن أجمل ما قيل في وصف كلام سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ما قاله الجاحظ في (( البيان والتبيين )) (1/221) وهذا نصه : [ وأنا ذاكرٌ بعد هذا فَنّاً آخرَ من كلامه صلى الله عليه وسلم ، وهو الكلام الذي قلّ عدد حروفه وكثر عدد معانيه ، وجَلَّ عن الصَّنعة ، ونُزِّه عن التكلف ، وكان كما قال اللّه تبارك وتعالى : قل يا محمد : { وما أنا مِنَ المتَكلِّفين }(ص/86) ، فكيف وقد عابَ التشديق ، وجانب أصحاب التعقيب ، واستعمل المبسوطَ في موضع البسط ، والمقصورَ في موضع القصر ، وهَجَر الغريبَ الوحشيَّ ، ورغِبَ عن الهجين السُّوقيّ ، فلم ينطِقْ إلا عن مِيراثِ حكمَةٍ ، ولم يتكلَّم إلا بكلامٍ قد حُفَّ بالعصمة ، وشُيِّد بالتأييد ، ويُسِّرَ بالتوفيق ، وهو الكلامُ الذي ألقَى اللّه عليه المحبّةَ ، وغشَّاهُ بالقَبول ، وجمع له بين المهابة والحلاوة ، وبَيْن حُسنِ الإفهام ، وقلّة عدد الكلام ، مع استغنائه عن إعادته ، وقِلّةِ حاجة السامع إلى معاوَدته ، لم تسقط له كلمة ، ولا زَلّت به قَدَم ، ولا بارَتْ له حجَّة ، ولم يَقُم له خَصم ، ولا أفحمه خطيب ، بل يبذُّ الخُطَبَ الطِّوال بالكلِم القِصار ولا يَلتمِس إسكاتَ الخصم إلا بما يعرفه الخصم ، ولا يحتجُّ إلا بالصِّدق ولا يطلب الفَلْج إلا بالحق ، ولا يستعين بالخِلابة ، ولا يستعمل الموارَبة، ولا يهمِز ولا يَلْمِز ، ولا يُبْطِيءُ ولا يَعْجَل ، ولا يُسْهِب ولا يَحْصَر ، ثم لم يَسْمع الناسُ بكلامٍ قَطّ أعمَّ نفعاً ، ولا أقصَدَ لفظاً ، ولا أعدلَ وزناً ، ولا أجملَ مذهباً ، ولا أكرَم مطلباً ، ولا أحسنَ موقعاً ، ولا أسهل مخرجاً ، ولا أفصح معنًى ، ولا أبين في فحوَى ، من كلامه صلى الله عليه وسلم كثيراً ] .
(20) يقصد أبو حيان بالمصنف : ابن مالك الأندلسي .
(21) قال السيوطي في (( بغية الوعاة )) (1/130) في ترجمة ابن مالك : [ وقال أبو حيان : بحثت عن شيوخه فلم أجد له شيخاً يعتمد عليه ، ويُرجع في حل المشكلات إليه ، إلا أن بعض تلامذته ذكر أنه قال : قرأت على ثابت بن حيان بحيّان ، وجلست في حلقة أبي علي الشَّلوْبين نحواً من ثلاثة عشر يوماً ، ولم يكن ثابت بن حيان من الأئمة النحويين ، وإنما كان من أئمة المقرئين . قال : وكان ابن مالك لا يحتمل المباحثة ، ولا يثبتُ للمناقشة ، لأنه إنما أخذ هذا العلم بالنظر فيه بخاصة نفسه ، هذا مع كثرة ما اجتناه من ثمرة غرسه ] .
(22) ولد سنة 639 هـ وتوفي سنة 733 هـ ، سمع منه التاج السبكي ، له ترجمة في (( طبقات الشافعية الكبرى )) (9/139) ، وفي (( الدرر الكامنة )) (5/4) .
(23) ولقد طرح مثل هذا الإشكال ابن حزم في (( الفصل في الملل والنحل )) (3/108-109) ، وكلامه ليس بشيء في هذا المقام .
(24) ومن هذا الكتاب نسخة خطية بدار الكتب المصرية ( رقم 19 نحو ) ، والنص فيه (2/72) ، كما نقل ذلك عن ابن الضائع أيضاً السيوطي في (( الاقتراح )) (ص 31-32) ، وعبد القادر البغدادي في (( خزانة الأدب )) .
(25) قال الزركشي في (( البحر المحيط )) : [ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : القُرآنُ ، وَلا شَكَّ فِي وُجُوبِ نَقْلِ لَفْظِهِ لأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الإِعْجَازُ . وَالثَّانِي : الأَخْبَارُ فَيَجُوزُ لِلرَّاوِي نَقْلُهَا بِالْمَعْنَى ، وَإِذَا نَقَلَهَا بِالْمَعْنَى وَجَبَ قَبُولُهُ كَالنَّقْلِ بِاللَّفْظِ . هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذَاهِبَ عَشرَةٍ سَتَأتِي ] .
(26) ترجمه السيوطي في (( بغية الوعاة )) (2/203) وقال عنه : [ حضر من إشبيلية ، وكان إماماً في العربية ، محققاً مدققاً ، ماهراً مشاركاً في الأصول . أخذ النحو عن ابن طاهر المعروف بالخِدَبّ ، وكان في خلقه زعارة ، ولم يتزوج قط ، وكان يسكن الخانات . أقرأ النحو بعدة بلاد ، وأقام بحلب مدة ، واختل في آخر عمره حتى مشى في الأسواق عريان بادي العورة ، وله مناظرات مع السهيلي ، صنف : (( شرح سيبويه )) ، (( شرح الجمل )) ، كتاباً في الفرائض . ووقع في جب ليلاً ، فمات سنة تسع وستمائة - وقيل خمس وقيل عشر ، وقال ياقوت : سنة ست - بإشبيلية عن خمس وثمانين سنة ] .
(27) وهي مكاتبة جاءت جواباً لسؤال وجهه إليه العلامة الدماميني (ت 827 هـ) ، والسؤال والجواب يقعان في صفحة واحدة ، وهي محفوظة في مكتبة برلين تحت رقم (6854) وقد نشرها الدكتور رياض الخوام مع مقدمة ضافية باسم (( الاستدلال بالأحاديث النبوية الشريفة على إثبات القواعد النحوية )) .
(28) رواه البخاري في (( الصحيح )) (1/21) ، ومسلم أيضاً في (( صحيحه )) (1/524) ، والمشكلة في هذا الحديث ورود الشرط مضارعاً والجواب ماضياً ، ويرى البعض أن ذلك ضعيفاً أو لا يقع إلا للضرورة ، قال البغدادي في (( خزانة الأدب )) ( الشاهد الثامن والتسعون بعد الستمائة ) : [ على أن مجيء الشرط مضارعاً مجزوماً ، والجزاء ماضياً خاص بالشعر عند بعضهم ] ، وقال المرزوقي في (( شرح ديوان الحماسة )) : [ وَإِنَّكَ مَهما تُعطِ بَطنَكَ سُؤلَهُ وَفَرجَكَ نالا مُنتَهى الذَمِّ أَجمَعا ... وقوله : ( نالا منتهى الذم ) ، كأن الأجود أن يأتي المضارع في جواب الشرط ، وقد حصل مضارعاً وظهرت الجزمية فيه ، لكنه أتى به ماضياً للضرورة ] . واللافت للانتباه أن الحديث روي بلفظ : (( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه )) ، فجاء الشرط ماضياً ، وهنا لا إشكال أبداً ، وهذه الرواية في (( صحيح البخاري )) (2/672) و (2/709) ، و (( صحيح مسلم )) (1/523) ، و (( سنن الترمذي )) (3/67) ، و (( صحيح ابن حبان )) (6/284) ، وغيرها من كتب الحديث . وقد بحث ابن مالك هذه المسألة في (( شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح )) (ص 67) .
أضف رد جديد

العودة إلى ”مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات“