أثر المعتزلة الإيجابي على الفكر السني المعتدل المبني على التنزيه(الحلقه الأولى)
مرسل: الاثنين نوفمبر 20, 2023 9:48 am
نحن نناقش هذه الأمور والهدف هو تحرير العقل من التعصب لنهضة الفكر الذي ينهض بالمجتمع ويدفع أحوال الناس إلى الأمام بعدم الركون إلى التقليد الأعمى وتقديس بعض الأشخاص والمشايخ المردي في الهاوية:
من الأمور التي يجب أن يعيها من أراد الوقوف على الحقائق أن هذا التشويه والذم للمعتزلة الذي كان ولا يزال يقوم به الكثيرون من العلماء والمشايخ وغيرهم تشويه باطل لا معنى له، وإنما هو تحريض من سياسة الدولة الأموية والعباسية بسبب إنكار هؤلاء المعارضين وثورتهم على الطغاة والبغاة، وقد استعان أولئك الطغاة في تحقيق ذلك بمجسمة المحدثين والحنابلة الذين كانوا يرمون أهل التنزيه وموافقيهم في كثير من العقائد وخاصة في ما يسمى (بالصفات) بالجهمية والمعطلة.
وظن أولئك المشوهون أن ما قاله بعض أهل العلم والمشايخ في ذم المعتزلة صواباً وحقيقة، وساروا في هذا الفلك الذي أسس على جرف هار، وتعصب لذلك متعصبون لا يعرفون النقير ولا الفتيل والقطمير، وسأبين في هذا البحث ـ الذي ربما أقسمه على عدة مقالات ـ خطأ هذا التشنيع القبيح الذي يدل على عدم العلم والاطلاع الممزوج بالتعصب والتقليد الأعمى في معاداة أناس من علماء المسلمين الأفذاذ الأذكياء الواعين لمقاصد وأهداف الظلمة والمشعوذين من أصحاب الترهات، والله المستعان.
هذا ومما ينبغي أن يعلم أن ما قاله المعتزلة على اختلاف أقوالهم في بعض المسائل هو قول أئمة العترة الطاهرة الزكية من آل بيت الرسول المجتبى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أدل على ذلك من أن تقارن عقائد المعتزلة بعقائد السادة الزيدية وأئمة العترة من هذه الطائفة مع ما يروى عن مثل الإمام الصادق عليه السلام وغيره من أئمة آل البيت المصطفوي رضوان الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين.
فكل تشنيع يشنع به على المعتزلة ظاهره المزيف الحرص على الحق وباطنه عند صنف الخبثاء العالمين أو طائفة الأغبياء من المقلدين هو التشنيع والطعن في العترة الطاهرة بقصد أو بغير قصد.
فلنشرع في البيان شيئاً فشيئاً فنقول:
أولاً: سأبدأ ببيان فضل المعتزلة وأثرهم في توعية (فضلاء الحنابلة ومنزههيهم) وتحصينهم من الانجرار وراء غالب أصحاب مذهبهم الحنبلي من المجسمة القائلين في الله تعالى بالتخريف والتجسيم وبقية الخرافات المتعلقة بباقي أمور الدين المقتبسة من الإسرائيليات ونحوها، فقبل أن أسوق تأثير المعتزلة على الأشعرية أبين فضل المعتزلة وتأثيرهم على مثل ابن الجوزي وسلفه ابن عقيل الحنبليين المنزهين، وأذكركم بادىء ذي بدئ بقول الإمام الكوثري رحمه الله تعالى في مقدمة كتاب تبيين كذب المفتري ص (18) حيث يقول:
[والمعتزلـــة على ضد الحشوية، بخط مستقيم أنتجها البحث العلمي، ساقهم شره عقولهم إلى محاولة اكتناه كل شيء، وعداؤهم الأصلي نحو الجمود، وخطتهم دفع الآراء المتسرِّبة من الخارج نحو الإسلام بحجج دامغة، وأدلة عقلية مفحمة، ولهم مواقف شريفة في الدفاع عن الدين الإسلامي إزاء الدهريين ومنكري النبوَّة والثنوية والنصارى واليهــود والصابئة وأصناف الملاحدة، وترى الذهبي يترحَّم على الجاحظ في (سير النبلاء) حين يذكر كتابه النبوَّة، ولم نَرَ ما يقارب كتاب (تثبيت دلائل النبوة) للقاضي عبدالجبار في قوة الحجاج وحسن الصياغة في دفع شكوك المشككين، وليس بجيد الإعراض الكلي عن كتبهم، وكم فيها من الفوائد التي لا تزال في أثوابها القشيبة لم تبل بكرور الزمن...].
وهنا نبدأ ببيان أثر المعتزلة في إيجاد ما يسمى تيار (فضلاء الحنابلة) فنقول:
الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (ت597هـ) وسلفه ومصدر أفكاره الإمام ابن عقيل الحنبلي:
الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى من الحنابلة الذين لم يتأثروا ولم ينجرفوا في تيار المذهب الحنبلي المعروف في مسائل التشبيه والتجسيم والصفات والنصب والخرافات، وهو عالم كبير منزه مشارك في العلوم، إمام في التفسير كما هو إمام في الفقه والحديث والعقائد والتاريخ وغيرها، وهو غير آبهٍ بتشغيبات وتشنيعات الحنابلة، صاحب عقل وبصيرة، لم يتأثر بالضغوطات المذهبية أو السياسية أو غيرها فلم تثنه هذه العوامل عن البوح بمعتقده، أو بالحقائق التي توصّل لها، وخاصة في النقطتين الأساسيتين المسيطرتين والمؤثرتين على اتجاه فكر الإنسان المسلم إلى تولي إحدى المدرستين المشهورتين، والنقطتان هما: النصب والتجسيم.
ما الذي أيقظ عقلية الحافظ ابن الجوزي وأنار فكره ؟
ما الذي منعه من الانجرار والانجراف في تيار مذهبه الحنبلي مثل أبي يعلى والخلال وأمثالهم ؟
وما الذي جعله يحمل على ترهاتهم في التجسيم والتشبيه ؟
قال الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى عن مجسمة الحنابلة في دفع الشبه ص (100):
[وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا بأنْ يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات، ثم لـمّا أثبتوا أنها صفات ذات قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة مثل يد على نعمة وقدرة، ومجيء وإتيان على معنى بِرٍّ ولطف، وساق على شدة، بل قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارفة والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يحمل على حقيقته إذا أمكن، ثم يتحرّجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون: نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوامَّ.. فقد ابتدع من سمى المضاف صفة.. قالوا: إن هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. ثم قالوا: نحملها على ظواهرها، فواعجباً!! ما لا يعلمه إلا الله أيُّ ظاهرٍ له.. ؟! فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال..].
وقال الحافظ ابن الجوزي هناك أيضاً:
[ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسِّم، ثم زينتم مذهبكم أيضاً بالعصبية ليزيد بن معاوية ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبومحمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان المذهب شيناً قبيحاً لا يغسل إلى يوم القيامة].
إذن كيف خرج ابن الجوزي عن سكة الحنابلة وانتظم على سكة التنزيه والتقديس ؟
ومع ذلك لم يكن ابن الجوزي رحمه الله تعالى أشعرياً قطعاً!
بل من طائفة يسميها العلماء المبصرون: (فضلاء الحنابلة)!
من أين أتى ابن الجوزي بكل هذا ؟
هذا التنزيه والعلم وصفاء الاعتقاد الذي أتى به ابن الجوزي إنما أتى له من حنبلي قبله مثله وهو العلامة الإمام (ابن عقيل الحنبلي)، وابن عقيل نبّه عقله ونظره اثنان من علماء المعتزلة هما اللذان أنقذاه وبصَّراه. قال الذهبي في ترجمته في سير أعلام النبلاء (19/443-445):
[ابن عقيل الإمام العلامة البحر، شيخ الحنابلة، أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري، الحنبلي المتكلم، صاحب التصانيف، ولد سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة... وسمع أبا بكر بن بشران، وأبا الفتح بن شيطا، وأبا محمد الجوهري، والحسن بن غالب المقرئ، والقاضي أبا يعلى بن الفراء، وتفقه عليه، وتلا بالعشر على أبي الفتح بن شيطا، وأخذ العربية عن أبي القاسم بن برهان، وأخذ علم العقليات عن شيخي الاعتزال أبي علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التبان صاحبي أبو الحسين البصري، فانحرف عن السنة.
وكان يتوقد ذكاء، وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير على بدعته، وعلق كتاب " الفنون "، وهو أزيد من أربع مئة مجلد،.. أنبؤونا عن حماد الحراني، سمع السلفي يقول: ما رأت عيني مثل أبي الوفاء بن عقيل الفقيه، ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حجته، تكلم يوما مع شيخنا إلكيا أبي الحسن، فقال له إلكيا: هذا ليس مذهبك، فقال: أكون مثل أبي علي الجبائي، وفلان وفلان لا أعلم شيئا ؟! أنا لي اجتهاد متى ما طالبني خصم بالحجة، كان عندي ما أدفع به عن نفسي وأقوم له بحجتي، فقال إلكيا: كذاك الظن بك].
وقال الذهبي هناك أيضاً: [ثم قال ـ ابن عقيل ـ: وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً.
قلت: كانوا ينهونه عن مجالسة المعتزلة، ويأبى حتى وقع في حبائلهم، وتجسر على تأويل النصوص، نسأل الله السلامة].
بل نسأل الله السلامة من ترهات الحنابلة العقائدية ونعم ما استفاد ابن عقيل وابن الجوزي وما سارا عليه.
قال الحافظ ابن رجب في ذيل الطبقات (1/144): [إن أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد وابن التبان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض الاحيان نوع انحراف عن السنة وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات رحمه الله].
قال ابن الجوزي عن ابن عقيل في المنتظم (5/84): [ما كان في مذهبنا أحد مثله].
وقال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (7/263):
[وهذا قول نفاة الصفات من الجهمية، والمعتزلة، ومن وافقهم، حتى ابن عقيل، وابن الجوزي وأمثالهما إذا مالوا إلى قول المعتزلة سلكوا هذا المسلك، وقالوا: هذه آيات الاضافات لا آيات الصفات، كما ذكر ذلك ابن عقيل في كتابه المسمى (نفي التشبيه وإثبات التنزيه) وذكره ابن الجوزي في (منهاج الوصول) وغيره، وهذا قول ابن حزم وأمثاله ممن وافقوا الجهمية على نفي الصفات وإن كانوا من المنتسبين إلى الحديث والسنة].
إذن صاحب الفضل في حماية الإمامين ابن عقيل وابن الجوزي من الوقوع في التشبيه والتجسيم والخروج عن جادة التحنبل في الاعتقاد إلى جادة التنزيه هم المعتزلة المنزهون. وسنتابع في بيان تأثير المعتزلة على عقلاء الأشاعرة المنزهين في سلوك جادة التأويل والتنزيه للمولى سبحانه وتعالى، وبيان أن السياسات الغابرة في تلك القرون الخالية هي التي كانت تؤثر في تشويه صورة المعتزلة والتشنيع عليهم وإلصاق التهم الكاذبة بهم، وتصوير مذهبهم أنه من جملة الأضاليل والترهات، وكل ذلك بجهود الحنابلة الذين كانوا الجهاز المنفذ لتوجيه السياسيين الذين هم الجهاز المخطط والآمر، والمعتزلة كانوا ينهلون ويتفقون مع أئمة العترة المطهرة آل بيت الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.
___________________________
من الأمور التي يجب أن يعيها من أراد الوقوف على الحقائق أن هذا التشويه والذم للمعتزلة الذي كان ولا يزال يقوم به الكثيرون من العلماء والمشايخ وغيرهم تشويه باطل لا معنى له، وإنما هو تحريض من سياسة الدولة الأموية والعباسية بسبب إنكار هؤلاء المعارضين وثورتهم على الطغاة والبغاة، وقد استعان أولئك الطغاة في تحقيق ذلك بمجسمة المحدثين والحنابلة الذين كانوا يرمون أهل التنزيه وموافقيهم في كثير من العقائد وخاصة في ما يسمى (بالصفات) بالجهمية والمعطلة.
وظن أولئك المشوهون أن ما قاله بعض أهل العلم والمشايخ في ذم المعتزلة صواباً وحقيقة، وساروا في هذا الفلك الذي أسس على جرف هار، وتعصب لذلك متعصبون لا يعرفون النقير ولا الفتيل والقطمير، وسأبين في هذا البحث ـ الذي ربما أقسمه على عدة مقالات ـ خطأ هذا التشنيع القبيح الذي يدل على عدم العلم والاطلاع الممزوج بالتعصب والتقليد الأعمى في معاداة أناس من علماء المسلمين الأفذاذ الأذكياء الواعين لمقاصد وأهداف الظلمة والمشعوذين من أصحاب الترهات، والله المستعان.
هذا ومما ينبغي أن يعلم أن ما قاله المعتزلة على اختلاف أقوالهم في بعض المسائل هو قول أئمة العترة الطاهرة الزكية من آل بيت الرسول المجتبى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أدل على ذلك من أن تقارن عقائد المعتزلة بعقائد السادة الزيدية وأئمة العترة من هذه الطائفة مع ما يروى عن مثل الإمام الصادق عليه السلام وغيره من أئمة آل البيت المصطفوي رضوان الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين.
فكل تشنيع يشنع به على المعتزلة ظاهره المزيف الحرص على الحق وباطنه عند صنف الخبثاء العالمين أو طائفة الأغبياء من المقلدين هو التشنيع والطعن في العترة الطاهرة بقصد أو بغير قصد.
فلنشرع في البيان شيئاً فشيئاً فنقول:
أولاً: سأبدأ ببيان فضل المعتزلة وأثرهم في توعية (فضلاء الحنابلة ومنزههيهم) وتحصينهم من الانجرار وراء غالب أصحاب مذهبهم الحنبلي من المجسمة القائلين في الله تعالى بالتخريف والتجسيم وبقية الخرافات المتعلقة بباقي أمور الدين المقتبسة من الإسرائيليات ونحوها، فقبل أن أسوق تأثير المعتزلة على الأشعرية أبين فضل المعتزلة وتأثيرهم على مثل ابن الجوزي وسلفه ابن عقيل الحنبليين المنزهين، وأذكركم بادىء ذي بدئ بقول الإمام الكوثري رحمه الله تعالى في مقدمة كتاب تبيين كذب المفتري ص (18) حيث يقول:
[والمعتزلـــة على ضد الحشوية، بخط مستقيم أنتجها البحث العلمي، ساقهم شره عقولهم إلى محاولة اكتناه كل شيء، وعداؤهم الأصلي نحو الجمود، وخطتهم دفع الآراء المتسرِّبة من الخارج نحو الإسلام بحجج دامغة، وأدلة عقلية مفحمة، ولهم مواقف شريفة في الدفاع عن الدين الإسلامي إزاء الدهريين ومنكري النبوَّة والثنوية والنصارى واليهــود والصابئة وأصناف الملاحدة، وترى الذهبي يترحَّم على الجاحظ في (سير النبلاء) حين يذكر كتابه النبوَّة، ولم نَرَ ما يقارب كتاب (تثبيت دلائل النبوة) للقاضي عبدالجبار في قوة الحجاج وحسن الصياغة في دفع شكوك المشككين، وليس بجيد الإعراض الكلي عن كتبهم، وكم فيها من الفوائد التي لا تزال في أثوابها القشيبة لم تبل بكرور الزمن...].
وهنا نبدأ ببيان أثر المعتزلة في إيجاد ما يسمى تيار (فضلاء الحنابلة) فنقول:
الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (ت597هـ) وسلفه ومصدر أفكاره الإمام ابن عقيل الحنبلي:
الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى من الحنابلة الذين لم يتأثروا ولم ينجرفوا في تيار المذهب الحنبلي المعروف في مسائل التشبيه والتجسيم والصفات والنصب والخرافات، وهو عالم كبير منزه مشارك في العلوم، إمام في التفسير كما هو إمام في الفقه والحديث والعقائد والتاريخ وغيرها، وهو غير آبهٍ بتشغيبات وتشنيعات الحنابلة، صاحب عقل وبصيرة، لم يتأثر بالضغوطات المذهبية أو السياسية أو غيرها فلم تثنه هذه العوامل عن البوح بمعتقده، أو بالحقائق التي توصّل لها، وخاصة في النقطتين الأساسيتين المسيطرتين والمؤثرتين على اتجاه فكر الإنسان المسلم إلى تولي إحدى المدرستين المشهورتين، والنقطتان هما: النصب والتجسيم.
ما الذي أيقظ عقلية الحافظ ابن الجوزي وأنار فكره ؟
ما الذي منعه من الانجرار والانجراف في تيار مذهبه الحنبلي مثل أبي يعلى والخلال وأمثالهم ؟
وما الذي جعله يحمل على ترهاتهم في التجسيم والتشبيه ؟
قال الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى عن مجسمة الحنابلة في دفع الشبه ص (100):
[وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا بأنْ يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات، ثم لـمّا أثبتوا أنها صفات ذات قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة مثل يد على نعمة وقدرة، ومجيء وإتيان على معنى بِرٍّ ولطف، وساق على شدة، بل قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارفة والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يحمل على حقيقته إذا أمكن، ثم يتحرّجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون: نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوامَّ.. فقد ابتدع من سمى المضاف صفة.. قالوا: إن هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. ثم قالوا: نحملها على ظواهرها، فواعجباً!! ما لا يعلمه إلا الله أيُّ ظاهرٍ له.. ؟! فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال..].
وقال الحافظ ابن الجوزي هناك أيضاً:
[ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسِّم، ثم زينتم مذهبكم أيضاً بالعصبية ليزيد بن معاوية ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبومحمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان المذهب شيناً قبيحاً لا يغسل إلى يوم القيامة].
إذن كيف خرج ابن الجوزي عن سكة الحنابلة وانتظم على سكة التنزيه والتقديس ؟
ومع ذلك لم يكن ابن الجوزي رحمه الله تعالى أشعرياً قطعاً!
بل من طائفة يسميها العلماء المبصرون: (فضلاء الحنابلة)!
من أين أتى ابن الجوزي بكل هذا ؟
هذا التنزيه والعلم وصفاء الاعتقاد الذي أتى به ابن الجوزي إنما أتى له من حنبلي قبله مثله وهو العلامة الإمام (ابن عقيل الحنبلي)، وابن عقيل نبّه عقله ونظره اثنان من علماء المعتزلة هما اللذان أنقذاه وبصَّراه. قال الذهبي في ترجمته في سير أعلام النبلاء (19/443-445):
[ابن عقيل الإمام العلامة البحر، شيخ الحنابلة، أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري، الحنبلي المتكلم، صاحب التصانيف، ولد سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة... وسمع أبا بكر بن بشران، وأبا الفتح بن شيطا، وأبا محمد الجوهري، والحسن بن غالب المقرئ، والقاضي أبا يعلى بن الفراء، وتفقه عليه، وتلا بالعشر على أبي الفتح بن شيطا، وأخذ العربية عن أبي القاسم بن برهان، وأخذ علم العقليات عن شيخي الاعتزال أبي علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التبان صاحبي أبو الحسين البصري، فانحرف عن السنة.
وكان يتوقد ذكاء، وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير على بدعته، وعلق كتاب " الفنون "، وهو أزيد من أربع مئة مجلد،.. أنبؤونا عن حماد الحراني، سمع السلفي يقول: ما رأت عيني مثل أبي الوفاء بن عقيل الفقيه، ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حجته، تكلم يوما مع شيخنا إلكيا أبي الحسن، فقال له إلكيا: هذا ليس مذهبك، فقال: أكون مثل أبي علي الجبائي، وفلان وفلان لا أعلم شيئا ؟! أنا لي اجتهاد متى ما طالبني خصم بالحجة، كان عندي ما أدفع به عن نفسي وأقوم له بحجتي، فقال إلكيا: كذاك الظن بك].
وقال الذهبي هناك أيضاً: [ثم قال ـ ابن عقيل ـ: وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً.
قلت: كانوا ينهونه عن مجالسة المعتزلة، ويأبى حتى وقع في حبائلهم، وتجسر على تأويل النصوص، نسأل الله السلامة].
بل نسأل الله السلامة من ترهات الحنابلة العقائدية ونعم ما استفاد ابن عقيل وابن الجوزي وما سارا عليه.
قال الحافظ ابن رجب في ذيل الطبقات (1/144): [إن أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد وابن التبان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض الاحيان نوع انحراف عن السنة وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات رحمه الله].
قال ابن الجوزي عن ابن عقيل في المنتظم (5/84): [ما كان في مذهبنا أحد مثله].
وقال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (7/263):
[وهذا قول نفاة الصفات من الجهمية، والمعتزلة، ومن وافقهم، حتى ابن عقيل، وابن الجوزي وأمثالهما إذا مالوا إلى قول المعتزلة سلكوا هذا المسلك، وقالوا: هذه آيات الاضافات لا آيات الصفات، كما ذكر ذلك ابن عقيل في كتابه المسمى (نفي التشبيه وإثبات التنزيه) وذكره ابن الجوزي في (منهاج الوصول) وغيره، وهذا قول ابن حزم وأمثاله ممن وافقوا الجهمية على نفي الصفات وإن كانوا من المنتسبين إلى الحديث والسنة].
إذن صاحب الفضل في حماية الإمامين ابن عقيل وابن الجوزي من الوقوع في التشبيه والتجسيم والخروج عن جادة التحنبل في الاعتقاد إلى جادة التنزيه هم المعتزلة المنزهون. وسنتابع في بيان تأثير المعتزلة على عقلاء الأشاعرة المنزهين في سلوك جادة التأويل والتنزيه للمولى سبحانه وتعالى، وبيان أن السياسات الغابرة في تلك القرون الخالية هي التي كانت تؤثر في تشويه صورة المعتزلة والتشنيع عليهم وإلصاق التهم الكاذبة بهم، وتصوير مذهبهم أنه من جملة الأضاليل والترهات، وكل ذلك بجهود الحنابلة الذين كانوا الجهاز المنفذ لتوجيه السياسيين الذين هم الجهاز المخطط والآمر، والمعتزلة كانوا ينهلون ويتفقون مع أئمة العترة المطهرة آل بيت الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.
___________________________