صفحة 1 من 1

تكبيرة الإِحرام في الصلاة

مرسل: الأحد سبتمبر 07, 2025 3:29 pm
بواسطة الباحث المفكر
تكبيرة الإِحرام في الصلاة

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا افتتح الصلاة يُكَبِّرُ ـ أي بعد أن ينوي ـ لحديث ((إنما الإعمال بالنيات ...))، فعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما قال:
((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام للصلاة، رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم كبَّر...))(1).

وعن أبي هريرة قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم..))(2).

وعن السيدة عائشة قالت: ((كان يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين)). رواه مسلم (1/357).

وعن سيدنا علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم))(3).

قال الإمام الحافظ النووي رحمه الله تعالى في ((شرح المهذب)) (3/289): [وإنما سُمِّي الوضوء مفتاحاً لأنَّ الحدث مانع من الصلاة كالغلق على الباب يمنع من دخوله إلا بمفتاح، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (وتحريمها التكبير) قال الأزهري: أصل التحريم من قولك حَرَمْتُ فلاناً كذا أي مَنَعْتُهُ، وكل ممنوع فهو حرام، فسمي التكبير تحريماً لأنه يمنع المُصلِّي من الكلام والأكل وغيرهما].

[مسألة]: لفظ التكبير ((الله أكبر)) يجب أن يكون باللغة العربية لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ولَم يُنقل عنه أنّه قال غير ذلك، ويجب على من لا يعرف العربية أن يتعلّمها، وكذا يجب على غير العربي أن يتعلَّم جميع أذكار الصلاة الواجبة، فإن عجز عنها ترجمها حتى يتعلّمها إلا القرآن فإنه لا يجوز له أن يترجمه بل يأتي بأذكار أخرى فيسبّح ويَحْمَد ويهلِّل ويكبِّر.
فعن ابن أبي أوفى: أن رجلاً قال: يا رسول الله، علِّمني شيئاً يجزئني عن القرآن. فقال: ((قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))(4). وسيأتي تفصيل هذا بعد قليل إن شاء الله تعالى.

[مسألة]: يجب على المصلي المأموم أن يبتدىء بتكبيرة الإِحرام بعد أن يتمها الإِمام، فلو نطقها مع الإِمام أو شاركه بجزء منها أي قبل أن يفرغ الإمام منها وهو في آخرها فبدأ المأموم بالتلفظ بها لم تصح صلاة المأموم أي لم تنعقد، لأنه اقتدى بمن ليس بِمُصَلٍ، أي أنّ الإمام لا يُسمّى مصلياً إلا بعد انتهائه من راءِ أكبر، فمن اقتدى به وشرع في التكبير قبل انتهاء الإِمام منه يكون قد اقتدى بإنسان لا يسمى بعدُ مُصَلِياً فلذلك لا تنعقد صلاته.
وهذا الحكم لا يشمل جميع أجزاء الصلاة فيصح للمأموم أن يشارك الإِمام في الأركان ولا تبطل صلاته خلافاً لتكبيرة الإِحرام لكن لا يجوز للمأموم أن يسبق الإمام.

[مسألة]: ويجب على المصلي أن يأتي بتكبيرة الإِحرام وهو قائم لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للمسيء صلاته: ((إذَا قمت إلى الصَلاةِ فكَبِّرْ))(5) فاشترط له التكبير حال القيام، ومن جاء بتكبيرة الإِحرام في غير القيام لم تنعقد صلاته.

وقد يستشكل هذا على بعض الناس فيقول: وهل هناك أحد يأتي بها في غير القيام؟! فأقول: نعم، كثير من الناس يأتون إلى صلاة الجماعة مسرعين فيجدون الإِمام راكعاً فيُكَبِّرون تكبيرة الإحرام حال نزولهم إلى الركوع ويظنون أنّهُمْ يُدْرِكون الركعة فتقع تكبيرة الإِحرام أو بعضها منهم أثناء النزول فلا يتحقق شرطها وهو إيقاعها حال القيام كما جاء اشتراط ذلك في الحديث، فلا تصح صلاتهم بالكلية فضلاً عن إدراكهم تلك الركعة!!

فعلى هذا إذاً:
يسن لمن جاء إلى صلاة الجماعة أن يأتيها بسكينةٍ ووقارٍ للحديث الصحيح: ((إذا أُقيمتِ الصلاةُ فلا تأتُوها وأَنتُمْ تَسْعُونَ، وأتوها وأنتم تمشون فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فـأتموا))(6)، ويجب عليه أن يقف لحظة يستحضر فيها النية ثم يكبر وهو قائم ثم ينتقل إلى الركن الذي يجد الإِمام فيه، فإن أدرك الإِمام في الركوع وأطمأَنَّ معه لحظة حُسِبَتْ له الركعة وإن اعتدل الإمام فخرج عن حد الركوع ولم يطمئن المأموم لم يدرك الركعة(7) وربما كان الصواب أنه لا يدرك الركعة إلا إن قرأ الفاتحة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه مسلم في صحيحه (1/292 برقم 22).
(2)رواه مسلم (1/295 برقم 36).
(3)رواه الترمذي (1/8 برقم 3) من حديث سيدنا علي و (2/3 برقم 238) من حديث سيدنا أبي سعيد وكذلك رواه عنهما ابن ماجه (1/101) وغيرهما، وهو حديث حسن وقد يرتقي للصحة.
(4)رواه ابن حبان في صحيحه (5/114 برقم 1808) وإسناده حسن.
(5)رواه البخاري (2/277 فتح) ومسلم (1/298 برقم 398).
(6)رواه البخاري (2/390 فتح) ومسلم (1/420).
(7)وهنا مسألة دقيقة وهي: هل يدرك المأموم الركعة بإدراك الركوع أم لا بُدَّ أن يقرأ في تلك الركعة الفاتحة حتى يُعتدَّ بتلك الركعة؟!
مذهب الأئمة الأربعة رضي الله عنهم أنَّ المأموم يُدرك الركعة بإدراك ركوع الإمام الصحيح المجزئ (وقولنا الصحيح المجزيء، احترازاً من ركوع الخامسة أو ركوع غير متوضئ أو نحو ذلك) لحديث أبي بكرة نُفَيع بن الحارث: ((أنَّه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو راكع فركع قبل أن يَصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ)) رواه البخاري (783) وغيره.
قلت: وادَّعى بعضهم أن أهل العلم أجمعوا على أنَّ الركعة تدرك بإدراك الركوع نقله الحافظ ابن المنذر في ((الأوسط)) (3/115) فقال: ((أجمع الخلق أنَّ كل من أدرك الإمام راكعاً فركع معه أدرك تلك الركعة وقراءتها)) اهـ.
وصحَّ عنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً أنه قال: ((إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدُّها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة)) رواه أبو داود (893) والحاكم (1/274) وصححه وأقرّه الذهبي، وليس كذلك، فقد قال ابن خزيمة في صحيحه (3/57) بعد أن رواه: [قال أبو بكر: في القلب من هذا الإسناد، فإني كنت لا أعرف يحيى بن أبي سليمان بعدالة ولا جرح]، وضعفه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (3/33)، وفي إسناده يحيى بن سليمان المدني وهو منكر الحديث كما قال البخاري عقب روايته له في "القراءة خلف الإمام" (برقم148) وكنت أظنه صحيحاً. وروى الإمام البيهقي بإسناد ضعيف في سننه (2/90) عن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((من لم يُدرك الإمام راكعاً لم يدرك الركعة)) لكن هذا لا يصح بهذا اللفظ، وأصله عند عبد الرزاق (3/235) بلفظ: (من أدرك الركعة فقد أدرك الجمعة ومن لم يدرك الركعة فليصل أربعاً) فحرَّفه بعض الرواة، فافهم ذلك جيداً. قلت: ولا إجماع في ذلك، فقد بيَّن ونقل الحافظ السيد أحمد ابن الصديق الغماري في رسالته "نفث الروع في أن الركعة لا تدرك بإدراك الركوع" أدلةَ أن الركعة لا تدرك بإدراك الركوع، وذكر قول الذين قالوا بذلك من الأئمة والعلماء، فقال:
[ذهب كثير من الصحابة والتابعين إلى أن الركعة لا تدرك إلا بإدراك الفاتحة حال قيام الإمام، وأن من أدرك الإمام راكعاً فليركع معه، ولا يعتد بتلك الركعة، وإلى هذا ذهب البخاري، وابن خزيمة، والصِّبْغي، وابن حزم، وجماعة من المتقدمين واختاره التقي السبكي، والحافظ العراقي، وغيرهما من المتأخرين].