صفحة 1 من 1

وجوب الإتيان بجميع الشَّدَّات (أي الحروف المشددة) عند قراءة الفاتحة في الصلاة

مرسل: الاثنين سبتمبر 08, 2025 12:11 pm
بواسطة الباحث المفكر
وجوب الإتيان بجميع الشَّدَّات عند قراءة الفاتحة في الصلاة

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

وفي الفاتحة أربع عشرة شَدَّة ثلاثة منها في البسملة والباقي في الباقي، فلا بُدَّ من الإِتيان بهنَّ جميعهنَّ، لأنَّ الحرف المشدد عبارة عن حرفين، فمن ترك تشديدة واحدة من الفاتحة أو حرفاً، أو أبدل حرفاً بحرف كمن قال بدل: ((الذين)): الزين، أو بدل ((ولا الضالين)): ولا الظالين، أو نحو هذه الأشياء لم تصح فاتحته وبالتالي لم تصح صلاته(1).

فيجب على كل مسلم أن يتعلّم تجويد الفاتحة على مُعَلِّم يُتْقن تجويدها وقراءتها، ليتم النطق السليم بها بإخراج الحروف من مخارجها والإِتيان بشدّاتها وعدم الإِخلال بحروفها كما نطق بها صلى الله عليه وآله وسلم وعلَّمها أصحابه وتوارثها علماء المسلمين طبقة عن طبقة.

فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ونص العلماء على ذلك صريحاً (2).

[مسألة]:
ومن كان يُخِلُّ بهذه الأشياء التي ذكرناها في الفاتحة ولا يُحسِنُ قراءتها كما ذكرنا فلا يصح أن يَؤُمَّ الناس لنقص صلاته، فلا يصح أن يصلي أُميٌّ بقاريء.
والأُميُّ عند الفقهاء: هو من لا يتقن قراءة الفاتحة بشدّاتها وحروفها الصحيحة ونحو ذلك ولو حمل من العلم ما حمل والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يؤمُّكم أقرؤكم))(3).
وقال البخاري في صحيحه (2/184 فتح): يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله))(4) وهناك أدلة عديدة في المسألة.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح المهذب)) (3/392): ((تجب قراءة الفاتحة في الصلاة بجميع حروفها وتشديداتها وهن أربع عشرة تشديدة في البسملة منهن ثلاث، فلو أسقط حرفاً منها أو خفّف مشدداً أو أبدل حرفاً بحرفٍ مع صحة لسانه لم تصح قراءته ولو أبدل الضاد بالظاء... لا تصح)) اهـ.

[مسألة مهمة]:
الإمام الذي يُخلُّ بشيء من الصلاة أو لا يتقن قراءة الفاتحة أو يأتي ببعض أركانها غير صحيحة يجب إرشاده ونصحه حتى يأتي بهذه الأشياء على وجهها الصحيح، فإن أبى أو عاند أو قال سأفعل الصحيح ولم يفعله يجب الإنكار عليه وتنبيه الناس على عدم صحة الصلاة خلفه إن أخلّ بركن أو شرط، والمفروض أن يكون أئمة المساجد أعلم الناس وأشدّهم أخذاً بالأحوط والأحسن، وينبغي أن يكون إمام المسجد طالبَ علمٍ يبحث ويزداد على الدوام علماً ومعرفة، ولا يقف عند حد الوظيفة والمُرَتَّب والشهادة(5).


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) وكذلك يجب التنبيه على حرف القاف، فإنَّ بعض الناس في بعض البلدان يقرأونها بالقاف البدوية، أي بما ينطق به حرف(G) في اللغة اللاتينية، وهذا النطق خطأ، ويجب النطق بالقاف المعروفة المشهورة الفصيحة، وعدم الاحتجاج بالحجج الفارغة.
قال الإمام الحافظ النووي رحمه الله تعالى في ((شرح المهذب)) (3/381):
((لو قرأ الفاتحة بلغةٍ لبعض العرب غير اللغة المقروءة بها لم تصح، ولم يجز في غير الصلاة أيضاً)) اهـ.
وقد أصاب ابن حجر المكي جداً في ((تحفة المحتاج)) (2/37) حيث قال:
((ولو أبدل حاء الحمد لله هاء أو نطق بقاف العرب المترددة بينها وبين الكاف والمراد بالعرب المنسوبة إليهم: إخلاطهم الذين لا يُعتدُّ بهم، ولذا نسبها بعض الأئمة لأهل الغرب وصعيد مصر: بطلت، إلاّ أن تعذّر التعلّم قبل خروج الوقت، واقتضاء كلام جمعٍ بل صريحه الصحة في قاف العرب وإن قَدَرَ ـ أي على نطقها بالفصيحة ـ ضعيفُ، لما في المجموع أنه إذا نطق بسين مترددة بينها وبين الصاد بطلت إن قَدَرَ وإلا فلا، ويجري ذلك في سائر أنواع الأبدال وإن لم يتغير المعنى...)) اهـ.
وما بين الشرطتين من توضيحاتي.
إذا قالت حذامِ فصدّقوها ..... فإنََّ القول ما قالت حذامِ
قال العلامة الشرواني شارحاً لكلام العلامة ابن حجر هناك ما نصه: ((قوله (أو نطق بقاف العرب.. الخ) خلافاً لشيخ الإسلام ـ أي زكريا الأنصاري ـ والنهاية والمغني وغيرهم من المتأخرين كشيخنا، فاعتمدوا الصحة مع الكراهة، قال الكردي وكلام ابن القاسم في شرح أبي شجاع يميل إلى ما اختاره ـ ابن حجر ـ من البطلان)) اهـ.
فهذا الحق عندنا الذي يجب المصير إليه بالدليل العلمي ولا التفات إلى ترهات بعض القوم المبنية على التعصب والإقليمية!! والله المستعان!!
(2) حديث ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) رواه البخاري في ((صحيحه)) (2/111 فتح) ونصُّ العلماءِ على هذا الحكم تراه في ((شرح المهذب)) للإمام النووي (3/392).
(3) رواه أبو داود في ((سننه)) (1/160 برقم 585) بهذا اللفظ بإسناد صحيح، وهو في ((صحيح البخاري)) (8/22 فتح) بلفظ قريب منه، ورواه غيرهما.
(4) وقد ذكر البخاري حديثاً آخر هناك في هذه المسألة، وذكر الحافظ في شرحه (2/186) بعض الروايات المرفوعة عن جماعة من الصحابة في ذلك فارجع إليها إن أردت الاستزادة.
(5) قال ((سيدي)) الإمام المحدّث عبد الله بن الصديق الغماري أعلى الله درجته ورحمه في كتابه ((الرد المحكم المتين)) ما نصه: ((فإن كنتَ تعتقد أن ورقة الشهادة التي أخذتها تجعلك في مصافِّ العلماء وتحملك مسؤولية تبليغ العلم فأنت فاسد الاعتقاد بعيد عن الصواب!! ألم تعلم أن هذه الورقة هي التي أفسدت العلم بل قضت عليه وجعلت من الجهلة علماء حيث يتقدّم لأخذها كل من يحفظ مواضع التعيين لا غير؟! ويلقيها كما حفظها فإن لم يُحْسن الحفظ أو الإلقاء تذرّع بوسيلة إلى الممتحنين ـ وهذه هي الوسيلة المحظورة ـ فيخرج في كلا الحالين من الامتحان وقد حصل على الورقة ولُقِّبَ عالماً!! وأصبح يتطلع إلى الوظيفة بتلهف يفوق تلهف الظمآن إلى الماء البارد! في اليوم القائظ! فتراه يسأل عن كل مقرأة ويبحث عن المأذونية، ويستفهم عن امتحانات المسابقة للإمامة والآذان، كأنّه ما كان يُتْعبُ بدنه ويجهد نفسه إلا ليحصِّل على هذا النزر من حطام الدنيا! يتقاضاه كل شهر!! والمصيبة العظمى أن العامة يتخذونه مرجعاً لهم في أحكام دينهم!! مع أنه عامي مثلهم لا يفوقهم في شيء إلا أنه أخذ الورقة والله أعلم كيف أخذها؟!
فالواقع أن هذه الورقة ـ وصاحب الكتاب من حملتها ـ ينبغي أن تكون عنوان الجهل ورمز ركود الفكر ونذير التكاسل المنبئ عن ضعف نفسي وخلقي معاً، وإلا فالعالم الذي همه العلم لا يثنيه عن غرضه ورقة ولا ورقات، ولا يرده عن مطالعة الكتب ومواصلة البحث شهادات، على أن هذه الورقة من أصلها بدعة في العلم لم تكن في عهد العلماء الذين كانوا بحق علماء، ومع كونها بدعة فهي مذمومة مضرة لأنها كانت سبب التقهقر العلمي المشاهد الآن، وسبب إقبال حامليها على الوظائف وتكسبهم على حساب العلم!! بعد أن كان العلماء قبل ظهورها يتعيشون من كسب أيديهم وينشرون العلم احتساباً، فتأملوا!!
فكان العلم إذ ذاك في ازدياد مطرد وأهله في عز ورفعة، كلمتهم مسموعة وأمرهم مطاع لا عند العوام والسوقة فحسب، بل عند الملوك والخلفاء والعظماء، فلما جاءت هذه الورقة وفتحت عليهم باب الوظائف آل الحال بالعلم وأهله إلى ما ترى والأمر لله ما شاء الله فعل)).