صفحة 1 من 1

السنة أن يطيلَ القراءة في صلاة الصبح وما يُسن أن يقرأ بعد الفاتحة في الصلوات الخمس

مرسل: الاثنين سبتمبر 08, 2025 2:44 pm
بواسطة الباحث المفكر
السنة أن يطيلَ القراءة في صلاة الصبح وما يُسن أن يقرأ بعد الفاتحة في الصلوات الخمس

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

السنة أن يطيلَ القراءة في صلاة الصبح إن صلى مُنْفرداً أو رَضِيَ المأمومون بالتطويل قدر ثلاثين آية(1).
ففي صحيح مسلم(2) عن سيدنا عبد الله بن السائب(3) قال:
((صلى بنا النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم الصبح بمكة، فاستفتح سورة المؤمنين حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى(4)، أخذت النبي صلى الله عليه وآله وسلم سعلة فركع)).
وفي صحيح مسلم (1/336) أيضاً عن سيدنا عمرو بن حُريثٍ:
((أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الفجر {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ}(5) )).
أقول: ويستفاد من هذه الأحاديث ومن غيرها ممّا هو ثابت في صحيحي ((البخاري)) و ((مسلم)) أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يجهر في صلاة الفجر والعمل على ذلك عند السلف والخلف، وقد عقد البخاري باباً في ذلك في صحيحه سماه: ((باب الجهر بقراءة صلاة الفجر)). وفي البخاري(6) أيضاً من حديث سيدنا أبي قتادة فيه:
((وكان صلى الله عليه وآله وسلم يطوِّل في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويُقصِّر في الثانية)).
• والسنة أن يقرأ في الظهر بمثل القدر الذي قرأه في الصبح وأما في العصر فبنصف ذلك أي قدر خمس عشرة آية.
فعن أبي سعيد الخدري قال:
((إنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية... وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية...))(7).
وعن سيدنا أبي قتادة رضي الله عنه:
((أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، ويسمعنا الآية أحياناً، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب))(8).
قال الإمام الحافظ النووي رحمه الله تعالى:(9)
[وقوله (وكان يُسْمِعُنا الآية أحياناً) هذا محمول على أنه أراد به بيان جواز الجهر في القراءة السرية، وأن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة بل هو سنة...]. انتهى.
وقد روى البخاري (فتح 2/244) وغيره عن أبي معمر قال:
((سأَلْنا خبّاباً أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بأيِّ شيء كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضطراب لحيته).
قلت: في هذه الأحاديث التصريح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّ القراءة في صلاة الظهر والعصر سرية وليست جهرية.
** وأما في صلاة المغرب فيستحب التقصير فيها لأدلة عديدة:
(منها): حديث أبي هريرة قال:
((وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصَّل))(10).
(ومنها): عن سيدنا جابر بن عبد الله قال:
((مرَّ رجل من الأنصار بناضحين على معاذ وهو يصلي المغرب فافتتح بسورة البقرة فصلّى الرجل ثم ذهب فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أفتّانٌ يا معاذ؟! أفتّانٌ يا معاذ؟! ألا قرأت بسبَّح اسم ربِّك، والشمس وضحاها، ونحوهما))(11).
(ومنها): عن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في المغرب: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد))(12).
وكان صلى الله عليه وآله وسلم أحياناً يطيل في صلاة المغرب فقد صحّ أنه صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بالأعراف وهي المسماة بطولى الطوليين (13)، وصح عن جبير بن مُطْعم أنه قال:
((سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في المغرب بالطور))(14).
قلت: في هذا الحديث إثبات الجهر في صلاة المغرب، ولذلك عقد البخاري على هذا الحديث باباً سمّاه: ((باب الجهر في المغرب))، ولكن لا يستحب للإمام أن يقرأ بهذه السور الطويلة لحديث ((أفتانٌ أنت يا معاذ)) وهو صحيح كما تقدم والتطويل بقراءة الطور والأعراف خاص بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنه إذا تعارض أمره لنا صلى الله عليه وآله وسلم مع فعله قدّم الأمر كما هو مقرر في علم الأصول.
*** ويسنُّ في صلاة العشاء أن يقرأ بسُورً صغيرة مثل {والتين والزيتون} التين: 1، فعن سيدنا البراء بن عازب رضي الله عنه قال: ((سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} في العشاء، وما سمعت أحداً أحْسَنَ صوتاً منه أو قراءة))(15).
قلت: ويؤخذ من هذا الحديث أنَّ السنة في العشاء الجهر.
* ويُسنُّ أنْ يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة في الركعة الأولى سورة السجدة، وفي الثانية {هل أتى على الإنسان} الانسان: 1، فعن أبي هريرة:
((كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة {ألم تنزيل} السجدة، و {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ}))(16).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى ((في المجموع)) (3/386):
((السُنَّة الجهر في ركعتي الصبح والمغرب والعشاء وفي صلاة الجمعة، والإسرار في الظهر والعصر وثالثة المغرب، والثالثة والرابعة من العشاء وهذا كله بإجماع المسلمين مع الأحاديث الصحيحة المتظاهرة على ذلك.
هذا حكم الإمام، وأما المنفرد فيسنُّ له الجهر عندنا وعند الجمهور، قال العبدري هو مذهب العلماء كافة.
وأجمع الاُمة على أنَّ المأموم يُسنُّ له الإسرار ويكره له الجهر، سواء سمع قراءة الإمام أم لا، قال صاحب الحاوي ـ الإمام الماوردي ـ حدُّ الجهر أن يُسمِعَ مَنْ يليه، وحدُّ الإسرار أن يُسمِعَ نفسه، ودليل كراهة الجهر للمأموم حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((صلى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، فلمّا انصرف قال أيُّكم قرأ أو أيُّكم القارئ؟! فقال رجل: أنا، فقال: قد ظننتُ أن بعضكم خالجنيها)) رواه مسلم (1/299) ومعنى خالجنيها جاذبينها ونازعنيها)). انتهى من المجموع.
[تنبيه مهم]:
اعلم أنه لا يجوز للمصلي أن يقصد قراءة آيات فيها آية سجدة ليسجد في الصلاة سجود التلاوة، لأنه بذلك يكون قد تعمّد زيادة ركن في الصلاة وهو السجود وهذا يُبْطلها.
ونحن يُسنُّ لنا أن نقرأ سورة السجدة صباح الجمعة ليس لأنَّ فيها سجدة وإنما لأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرؤها ويواظب على قراءتها صباح الجمعة(17)، كما كان يواظب على قراءة: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ} الانسان: 1، وليس فيها سجود وإنما هو لمعنى آخر.
فليس لإنسانٍ أن يتحوّل من قراءتها إذا لم يكن يحفظها مثلاً أو لأيِّ أمر آخر إلى قراءة سورة أخرى فيها آية سجود كسورة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} العلق: 1، ليعوّض ذلك السجود بآخر، أو يريد أن يُعلِّمهم، إذ لم يُنْقَلْ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه تحوّل إلى سورة أخرى غير السجدة فيها سجود، ومَنْ فعل ما بينّا عَدَمَ جوازه بطلت صلاته ولم تصح لما ذكرنا.
وهذه الأمور يفعلها بعض أئمة المساجد الذين ابتليت الأمة اليوم بهم لبعدهم عن الفقه والتفقه، ونسأل الله تعالى لهم الهداية، وهو المستعان.
[مسألة]:
يستحبُّ أن يقرأ في سُنَّة الصبح وكذا في سنة المغرب البَعْدية وكذلك في ركعتي الطواف والاستخارة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، لأحاديث صحيحةٍ وردت في ذلك.
فأما سنة الصبح والمغرب:
فعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((رَمَقْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرين مَرّة يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل الفجر {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ))(18).
وفي هذا الحديث دليل على أنَّ من الإِسرار أن يُسْمِع نفسه ومَنْ يليه، وذلك لأن صلاة سنة الصبح لا جهر فيها، ومع ذلك سمع سيدنا ابن عمر قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها وعرف ما يقرأ.
وعن أبي هريرة: ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في ركعتي الفجر: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}))(19).


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) يعني إذا رضي المأمومون بأنْ يُطوِّل الإمام فيهم في الصلاة، أو عرضوا عليه ذلك جاز أن يطوّل بهذا القدر المذكور هنا أو أكثر، وبشرط أن يكونوا محصورين، أي لا يدخل عليهم أثناء الصلاة إنسان جديد بعد الاتفاق على التطويل والشروع في الصلاة، لأنه قد لا يرضى هذا الداخل بالتطويل لعمل أو لحاجة عنده، بدليل ما روى البخاري (2/200 فتح) وغيره عن سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لسيدنا معاذ:
((يا معاذ، أفتّان أنت، لولا صليت بسبّح اسم ربك، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة)).
أقول: وهذا في صلاة الفرائض وصلوات النوافل التي تشرع لها الجماعة والتي اختلف في وجوبها بين أهل العلم المجتهدين كالعيد، أما مثل قيام الليل والتراويح، وكمن صلى منفرداً متطوعاً فجاء إنسان فاقتدى به فلا يحرم عليه التطويل ولا يكره ولذلك أدلة، (منها): حديث سيدنا حذيفة الذي تقدّم في المتن قبل قليل والذي رواه مسلم في صحيحه (1/536 برقم 772) وغيره.
(2) ((صحيح مسلم)) (1/336).
(3) معدود من صغار الصحابة وهو من المقرئين، وكان أبوه صحابياً أيضاً وكان شريكاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجاهلية، انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (3/388).
(4) يعني إلى آية رقم (45) أو إلى آية (49) في سورة المؤمنين.
(5) أي يقرأ بسورة التكوير {إذا الشمس كورت}.
(6) ((صحيح البخاري)) (2/243 فتح).
(7) رواه الإمام مسلم في ((صحيحه)) (1/334).
(8) رواه مسلم في ((صحيحه)) (1/333) ورواه الإمام البخاري (2/243) بلفظ قريب منه جداً.
(9) في ((شرح صحيح مسلم)) (4/175).
(10) هو قطعة من حديث رواه النسائي في ((السنن)) (2/167) في ((باب القراءة في المغرب بقصار المفصّل)) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (1/214)، ورواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (1/261 برقم 520) وهو حديث صحيح.
(11) رواه النسائي (2/168) وإسناده صحيح.
(12) رواه ابن ماجه في ((سننه)) (1/272 برقم 833) وإسناده صحيح وأخطأ من أعلّه.
(13) رواه البخاري (2/246 برقم 764 فتح).
(14) رواه البخاري (2/247 فتح) ومسلم (1/338) وغيرهما.
(15) رواه البخاري (2/251 فتح) ومسلم (1/339) دون قوله ((أو قراءة)).
(16) رواه البخاري (2/377 ، 552) ومسلم (2/599).
(17) كما بيّن ذلك الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((فتح الباري)) (2/378).
(18) رواه النسائي (2/170) بهذا اللفظ، والإمام الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (1/298) وأحمد بن حنبل في ((مسنده)) (2/24) وغيرهما وسنده صحيح.
(19) رواه مسلم في صحيحه (1/502 برقم 726) ورواه الطحاوي أيضاً (1/298) عن سيدنا أنس رضي الله تعالى عنه.