فرضية التشهد الأخير في الصلاة وصيغته
مرسل: الثلاثاء سبتمبر 09, 2025 1:54 pm
.
فرضية التشهد الأخير في الصلاة وصيغته
من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)
ويجب أن يجلس في آخر صلاته للتشهد ويُسنُّ أن يجلس متورِّكاً، إلا إذا كان عليه سجود سهو فيفترش فإذا سجد للسهو توّرك وسلّم، ويجب أن يقرأ التشهد، وله عدَّة صيغ وردت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونذكر منها هنا اثنتين، تَشَهُّدَ سيدنا ابن مسعود وتشهد سيدنا ابن عباس رضي الله عنهم.
فعن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُعلِّمنا التشهد كما يُعَلِّمنا السورة من القرآن(1)، فكان يقول:
((التحيات المباركاتُ الصلاواتُ الطَّيبات لله، السَّلام عليك أيُّها النَّبي ورحمةُ الله وبركاته، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمداً رسول الله))(2).
وعن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم قلنا: السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم فليقل: التَّحيات لله والصَّلواتُ والطَّيبات، السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاتُهُ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ـ فإنَّكم إذا قلتموها أصابت كُلَّ عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض ـ أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله))(3).
فبأيِّ تشَهُّدٍ ثابتٍ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ المُصَلِّي أجزأه، ولا يجوز أن يقول ((السلام على النبي)) بدل ((السلام عليك أيها النبي)) لأن قول الصحابي على فرض ثبوته عنه لا ينسخ قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما هو مقرر في علم الأصول(4).
فالصحيح المختار في التشهد بعد هذا البيان أن يقول المصلي: [التحياتُ المباركاتُ(5) الصَّلواتُ الطيباتُ لله، السلامُ عليكَ أيُّها النبي ورحمة الله وبركاتُهُ، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، اشهَدُ أن لا(6) إله إلا الله ((وحده لا شريك له))(7).
وأشهد أنَّ ((سيدنا))(8) محمداً عبده ورسوله] .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) وقوله (كما يعلمنا السورة من القرآن) يفيد أن ألفاظ التشهد متعينة أي لا يجوز الخروج عن صيغة من صيغ التشهد بالتغيير وأما بالزيادة فيجوز لثبوته عن كثير من الصحابة، خلافاً للفظ الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك يفيد وجوب ترتيب التشهد.
(2) رواه مسلم في ((الصحيح)) (1/302).
(3) رواه البخاري (2/311) ومسلم (1/301).
(4) وأما ما جاء في رواية عن سيدنا ابن مسعود وغيره من أنَّه غيَّر لفظة ((السلام عليك أيها النبي بقوله ((السلام على النبي...)) فهي رواية شاذة، لأنها مخالفة لباقي الروايات عن سيدنا ابن مسعود، ولأنها مخالفة لإجماع الصحابة، حيث علَّم سيدنا عمر رضي الله عنه الناس في خلافته على المنبر التشهد بصيغة ((السلام عليك أيها النبي)) بحضور الصحابة وغيرهم فلم يُنكر عليه أحدٌ، كما تجد ذلك في ((الموطأ)) (1/90) و((الرسالة)) للإمام الشافعي ص(268) والبيهقي (2/142)، وقال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) (1/421،422): ((وهذا إسناد صحيح))، وهو كذلك.
قال الحافظ في ((الفتح)) (2/316): ((وقد اختار مالك وأصحابه تشهد عمر لكونه علّمه للناس وهو على المنبر ولم ينكروه فيكون إجماعاً)).
وثبت عن القاسم بن محمد عن عمته السيدة عائشة رضي الله عنها، أنها كانت تقول إذا تشهدت: ((... السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته...)) والقاسم بن محمد ولد في خلافة سيدنا الإمام علي رضي الله عنه، وسمع السيدة عائشة تقول ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، وما رُوي عنها خلاف ذلك فهو شاذ لما ذكرنا، وحديث القاسم رواه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (3/59 برقم 3685) وهو صحيح.
وفي ((صحيح مسلم)) (1/303-304) أن سيدنا أبا موسى الأشعري كان يٌعَلِّمُ الناسَ التشهد بلفظ ((السلام عليك أيها النبي)).
واللفظة المُغَيَّرَة شاذة أيضاً لأنَّ المسلمين المقيمين في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة واليمن وأطراف الجزيرة العربية، والبعيدين عن مكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا يسلِّمون عليه في تشهد الصلاة بصيغة الخطاب ولم يأمرهم بتغيير صيغة السلام، لكونهم غائبين عنه، وهي شاذّة أيضاً لأنَّ وفاته صلى الله عليه وآله وسلم لا تستوجب تغيير السلام من الخطاب إلى الغيبة لأنه صلى الله عليه وآله وسلم حي في قبره، ولأن سلامنا يبلغه حيث كنّا كما جاء في الأحاديث الصحيحة التي منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنَّ لله في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)) رواه أحمد (1/441) وابن حبان في ((الصحيح)) (3/195) وهو صحيح وانظر تخريجه هناك.
قال ابن حزم في ((الفصل)) (1/89):
((وكذلك ما أجمع الناس عليه وجاء به النَّص من قوله كل مُصَلٍٍ فرضاً أو نافلة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فلو لم يكن روحه عليه السلام موجوداً قائماً لكان السلام على العدم هدراً)) انتهى.
• وأما حياته صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته فثابتة بالنص والإجماع، وفي حديث الإسراء والمعراج الثابت في الصحيحين والذي فيه التقاء سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأنبياء الذين قبله أكبر دليل على ذلك، وصحّ أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (6/147) وغيره وهو صحيح، والمراد بقوله ((أحياء)) هو الحياة التي نفهمها نحن، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخاطبنا إلا بما نفهم، ومن أوَّلَ الحياة بأنها خاصة أو غير ذلك فقد أبعد النَّجعة وهو تأويل باطل، والحق ما ذكرناه.
وقال الإمام الحافظ عبد الوهاب السبكي رحمه الله تعالى في ((الطبقات)) (1/327): ((والناس من خمسمائة وثلاث وستين سنة يخطبون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... وهو صلى الله عليه وآله وسلم حاضر يُبْصِرُ ويَسمَعُ)).
وقال الحافظ السخاوي في ((القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع)) ص(171):
((يؤخذ من هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم حيٌّ على الدوام، وذلك أنَّه محال عادة أن يخلو الوجود كله من واحد يُسلِّم عليه في ليل أو نهار، ونحن نؤمن ونصدق بأنه صلى الله عليه وآله وسلم حيٌّ يرزق في قبره، وأنَّ جسده الشريف لا تأكله الأرض، والإجماع على هذا)).
وقال ابن حزم في "المحلى" (1/25):
((وأما الشهداء فإنَّّ الله عز وجل يقول: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} البقرة: 154، وقال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} ال عمران: 169-170، ولا خلاف بين المسلمين في أنَّ الأنبياء عليهم السلام أرفع قدراً أو درجة وأتم فضيلة عند الله عزَّ وجلَّ وأعلى كرامة من كل مَنْ دونهم، ومَنْ خالف في هذا فليس مسلماً)).
ومن شاء الاستزادة في هذا الموضوع فعليه برسالة الحافظ البيهقي ((حياة الأنبياء)) ورسالة الحافظ السيوطي ((إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء)) وليراجع المتعصبون كتاب ((الروح)) لابن القيم لِيُرَوِّحوا عن أَنفسُهِم!!
ومن شاء الاستزادة في موضوع إبطال خطاب الغيبة ((السلام على النبي)) فليراجع رسالة شيخنا المحدّث العلامة الشريف ((سيدي)) عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله تعالى المسماة بـ ((القول المقنع...)) والله الهادي إلى سواء السبيل.
(5) وقد رجحنا تشهد ابن عباس الذي فيه إثبات لفظة ((المباركات)) على تشهد غيره من الصحابة لزيادة هذه اللفظة، وذلك لأنها موافقة لقول الله تعالى: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} النور:61، ولقول سيدنا ابن عباس في الحديث: ((كما يعلمنا السورة من القرآن، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علمه لابن عباس وأقرانه من صغار الصحابة فيكون متأخراً عن تشهد ابن مسعود وأضرابه من الصحابة، وارجع إلى ((شرح المهذب)) (3/457) للإمام النووي رحمه الله تعالى.
(6) يجب أن يُدغِم نون ((أنْ)) بلام ((لا إله)).
(7) هذه اللفظة ((وحده لا شريك له)) قال سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو من أشدِّ الناس متابعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((زدتُ فيها ـ أي في الشهادة في الصلاة ـ وحده لا شريك له)) رواه الطحاوي عنه في ((شرح معاني الآثار)) (1/264)، والدارقطني (1/351)، والبيهقي (2/139) بإسناد صحيح، وهو أمر حسن، وفيه دليل على إثبات البدعة الحسنة عند ابن عمر والسلف.
فإن قال قائل: لماذا لم تأخذوا بما جاء في روايةٍ عن ابن مسعود في التشهد ((السلام على النبي)) وأخذتم عن ابن عمر في زيادته ((وحده لا شريك له))؟!
قلنا: لأنَّ التغيير لا يجوز والزيادة تجوز، فتغيير ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد لا يجوز، وأما الاجتهاد بالزيادة فجائز، والدليل على ذلك حديث البخاري (2/284) وغيره في الرجل الذي قال: ((ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)) خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال سمع الله لمن حمده فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: ((رأيت بضعةً وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيُّهم يكتبها أوّل)). وقال الحافظ ابن حجر هناك ص(287): ((واستُدِلَّ به على جواز إحداث ذِكرٍ في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور)).
وما جاء في روايةٍ عن ابن مسعود مخالف للمأثور وما جاء عن ابن عمر غير مخالفٍ للمأثور بل فيه زيادة، فهذا هو الميزان، فتنبّه!!
ثم إن تلك الرواية عن سيدنا ابن مسعود فيه مخالفة الإجماع والنصوص التي ذكرناها وما جاء عن ابن عمر ليس كذلك، فافهم جيداً!! وهناك ثمة وجوه أخرى لا أود الإطالة هنا بذكرها وفيما ذكرناه أبلغ بيان لمن أراد الحق، والله الهادي.
(8) ويسنُّ أن يقول المصلي في التشهد وفي الصلاة الإبراهيمية ((سيدنا)) قبل ذكر اسم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما يتناقله بعض العامة من قولهم ((لا تسيِّدوني في الصلاة)) فموضوع مكذوب مفترى وليس بحديث، قال الحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) ص(463) برقم (1292): ((لا أصل له)).
فإذا قال قائل: كيف تزيدونها ولم يذكرها صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد والصلاة الإبراهيمية؟!
قلنا له: لا ضير في ذلك!! لأنَّ السنة لا تؤخذ من فعله صلى الله عليه وآله وسلم فقط بل تؤخذ أيضاً من قوله، بدليل أنَّ السيادة ثبتت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم، وقد ناداه الصحابة بها ووضعها ابن مسعود في صيغة الصلاة كما سيمر الآن محققاً في التعليق رقم (427) ولا بأس بزيادتها وقد زاد ابن عمر ((وحده لا شريك له)) في التشهد وغير ذلك كما مرَّ، والحافظ ابن حجر يقول كما في الفتح استدلالاً بالحديث المتقدّم في التعليق السابق وهو في البخاري (2/284) ص(287):
((واستُدِل به على جواز إحداث ذِكرٍ في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور)) وزيادة لفظة ((سيدنا)) فيها تأدب معه صلى الله عليه وآله وسلم، والله تعالى يقول: {فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الاعراف: 157، والتعزير هو: التفخيم والتعظيم، كما تجد ذلك في ((القاموس المحيط)) وغيره، فإثباتها مع ورودها في السُنَّة موافق للقرآن الكريم، واستدلَّ قوم على ذلك أيضاً بأنَّ التأدب خير من الامتثال وهو استدلال حسن ودلائله من السنة ثابتة في البخاري ومسلم من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم لسيدنا علي رضي الله عنه ((أمح رسول الله، قال علي: لا والله لا أمحوك أبداً)) (البخاري في مواضع منها 7/499 فتح ومسلم 3/1409) ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر رضي الله عنه ((ما منعك أن تثبت إذ أمرتك، قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)) (رواه البخاري 2/167 فتح، ومسلم 1/316)، وليس ههنا موضع بسطها والإطالة بها ولنقتصر على بعض الأحاديث والآثار التي ذُكِرَ فيها لفظ ((السيادة)) فنقول:
قال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا} النور: 63، وقال تعالى عن سيدنا يحيى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} آل عمران:39، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا سيد الناس)) رواه البخاري (8/395) ومسلم (1/186) وغيرهما، وقال الصحابي الجليل سيدنا سهل بن حُنَيْف للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا سيدي والرقى صالحة...)) رواه أحمد (3/486) والحاكم في ((المستدرك)) (4/413) وغيرهما وهو صحيح كما بيَّنته في ((التناقضات الواضحات)) الجزء الثاني ص(72) ورددتُ على مَنْ خالف! وتناقض!! وقال عمر ابن الخطاب كما في البخاري (7/99): ((أبو بكر سيِّدنا وأعتق سيِّدَنا، يعني بلالاً))، وفي البخاري (5/306) قال صلى الله عليه وآله وسلم عن سبطه الحسن: ((إنَّ ابني هذا سيد))، وقال أبو كثير وهو من التابعين: ((كنت مع سيدي علي بن أبي طالب..)) رواه الحميدي (1/31)، فهذه النصوص جميعها تثبت السيادة وخاصة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا سيما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا سيد الناس)) وهو متواتر، فمن قال: لا يجوز إطلاق السيادة عليه صلى الله عليه وآله وسلم لا خارج الصلاة ولا داخلها وتعذّر بأن هذا قد يؤدي إلى الإطراء المذموم كَفَرَ بلا مثنوية وخرج عن الإسلام، وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (10/464) للاستزادة.
وقال الحافظ السخاوي في ((القول البديع)) ص(108):
((وقرأت بخط بعض محققي مَنْ أخذتُ عنه ما نصه: الأدب مع مَنْ ذكر مطلوب شرعاً بذكر السيد، ففي حديث الصحيحين: قوموا إلى سيدكم، أي سعد بن معاذ وسيادته بالعلم والدين، وقول المصلّين، اللهم صلِّ على سيدنا محمد فيه الإتيان بما أُمِرْنا به، وزيادة الإِخبار بالواقع الذي هو أدب فهو أفضل مِنْ تركه فيما يظهر من الحديث السابق)).
ويقصد السخاوي بقوله (بعض محققي مَنْ أخذت عنه) ابن حجر على الراجح، ذلك لأن كتب الحافظ ابن حجر كان مسوّداتها عند السخاوي كما قال السيوطي في مقامته ((الكاوي)) ولم يصرِّح السخاوي باسمه لما ادّعاء السيوطي ووقع بينهما، وهذا كله مع الأدلة المتوافرة ينسف ما تشبّث به المتناقض! بفتوى الحافظ ابن حجر!! فجعلها كأنها نص مُنْزل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!! وما تشبث به ذلك المتناقض!! هو من التعصب للرجال!! أعاذنا الله من ذلك!! وقديماً قيل: اعرف الحق تعرف أهله! والحق لا يعرف بالرجال!!
وللسيد المحدّث الحافظ أحمد بن الصديق رحمه الله تعالى رسالة في موضوع السيادة اسمها ((تشنيف الآذان بأدلة استحباب السيادة عند اسمه عليه الصلاة والسلام في الصلاة والإقامة والأذان)) فليرجع إليها مَنْ شاء التوسع.
ومن تمسّك بخلاف ما قررناه فقد تمسك بخيط عنكبوت!! والله الهادي.
فرضية التشهد الأخير في الصلاة وصيغته
من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)
ويجب أن يجلس في آخر صلاته للتشهد ويُسنُّ أن يجلس متورِّكاً، إلا إذا كان عليه سجود سهو فيفترش فإذا سجد للسهو توّرك وسلّم، ويجب أن يقرأ التشهد، وله عدَّة صيغ وردت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونذكر منها هنا اثنتين، تَشَهُّدَ سيدنا ابن مسعود وتشهد سيدنا ابن عباس رضي الله عنهم.
فعن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُعلِّمنا التشهد كما يُعَلِّمنا السورة من القرآن(1)، فكان يقول:
((التحيات المباركاتُ الصلاواتُ الطَّيبات لله، السَّلام عليك أيُّها النَّبي ورحمةُ الله وبركاته، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمداً رسول الله))(2).
وعن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم قلنا: السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم فليقل: التَّحيات لله والصَّلواتُ والطَّيبات، السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاتُهُ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ـ فإنَّكم إذا قلتموها أصابت كُلَّ عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض ـ أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله))(3).
فبأيِّ تشَهُّدٍ ثابتٍ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ المُصَلِّي أجزأه، ولا يجوز أن يقول ((السلام على النبي)) بدل ((السلام عليك أيها النبي)) لأن قول الصحابي على فرض ثبوته عنه لا ينسخ قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما هو مقرر في علم الأصول(4).
فالصحيح المختار في التشهد بعد هذا البيان أن يقول المصلي: [التحياتُ المباركاتُ(5) الصَّلواتُ الطيباتُ لله، السلامُ عليكَ أيُّها النبي ورحمة الله وبركاتُهُ، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، اشهَدُ أن لا(6) إله إلا الله ((وحده لا شريك له))(7).
وأشهد أنَّ ((سيدنا))(8) محمداً عبده ورسوله] .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) وقوله (كما يعلمنا السورة من القرآن) يفيد أن ألفاظ التشهد متعينة أي لا يجوز الخروج عن صيغة من صيغ التشهد بالتغيير وأما بالزيادة فيجوز لثبوته عن كثير من الصحابة، خلافاً للفظ الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك يفيد وجوب ترتيب التشهد.
(2) رواه مسلم في ((الصحيح)) (1/302).
(3) رواه البخاري (2/311) ومسلم (1/301).
(4) وأما ما جاء في رواية عن سيدنا ابن مسعود وغيره من أنَّه غيَّر لفظة ((السلام عليك أيها النبي بقوله ((السلام على النبي...)) فهي رواية شاذة، لأنها مخالفة لباقي الروايات عن سيدنا ابن مسعود، ولأنها مخالفة لإجماع الصحابة، حيث علَّم سيدنا عمر رضي الله عنه الناس في خلافته على المنبر التشهد بصيغة ((السلام عليك أيها النبي)) بحضور الصحابة وغيرهم فلم يُنكر عليه أحدٌ، كما تجد ذلك في ((الموطأ)) (1/90) و((الرسالة)) للإمام الشافعي ص(268) والبيهقي (2/142)، وقال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) (1/421،422): ((وهذا إسناد صحيح))، وهو كذلك.
قال الحافظ في ((الفتح)) (2/316): ((وقد اختار مالك وأصحابه تشهد عمر لكونه علّمه للناس وهو على المنبر ولم ينكروه فيكون إجماعاً)).
وثبت عن القاسم بن محمد عن عمته السيدة عائشة رضي الله عنها، أنها كانت تقول إذا تشهدت: ((... السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته...)) والقاسم بن محمد ولد في خلافة سيدنا الإمام علي رضي الله عنه، وسمع السيدة عائشة تقول ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، وما رُوي عنها خلاف ذلك فهو شاذ لما ذكرنا، وحديث القاسم رواه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (3/59 برقم 3685) وهو صحيح.
وفي ((صحيح مسلم)) (1/303-304) أن سيدنا أبا موسى الأشعري كان يٌعَلِّمُ الناسَ التشهد بلفظ ((السلام عليك أيها النبي)).
واللفظة المُغَيَّرَة شاذة أيضاً لأنَّ المسلمين المقيمين في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة واليمن وأطراف الجزيرة العربية، والبعيدين عن مكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا يسلِّمون عليه في تشهد الصلاة بصيغة الخطاب ولم يأمرهم بتغيير صيغة السلام، لكونهم غائبين عنه، وهي شاذّة أيضاً لأنَّ وفاته صلى الله عليه وآله وسلم لا تستوجب تغيير السلام من الخطاب إلى الغيبة لأنه صلى الله عليه وآله وسلم حي في قبره، ولأن سلامنا يبلغه حيث كنّا كما جاء في الأحاديث الصحيحة التي منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنَّ لله في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)) رواه أحمد (1/441) وابن حبان في ((الصحيح)) (3/195) وهو صحيح وانظر تخريجه هناك.
قال ابن حزم في ((الفصل)) (1/89):
((وكذلك ما أجمع الناس عليه وجاء به النَّص من قوله كل مُصَلٍٍ فرضاً أو نافلة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فلو لم يكن روحه عليه السلام موجوداً قائماً لكان السلام على العدم هدراً)) انتهى.
• وأما حياته صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته فثابتة بالنص والإجماع، وفي حديث الإسراء والمعراج الثابت في الصحيحين والذي فيه التقاء سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأنبياء الذين قبله أكبر دليل على ذلك، وصحّ أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (6/147) وغيره وهو صحيح، والمراد بقوله ((أحياء)) هو الحياة التي نفهمها نحن، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخاطبنا إلا بما نفهم، ومن أوَّلَ الحياة بأنها خاصة أو غير ذلك فقد أبعد النَّجعة وهو تأويل باطل، والحق ما ذكرناه.
وقال الإمام الحافظ عبد الوهاب السبكي رحمه الله تعالى في ((الطبقات)) (1/327): ((والناس من خمسمائة وثلاث وستين سنة يخطبون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... وهو صلى الله عليه وآله وسلم حاضر يُبْصِرُ ويَسمَعُ)).
وقال الحافظ السخاوي في ((القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع)) ص(171):
((يؤخذ من هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم حيٌّ على الدوام، وذلك أنَّه محال عادة أن يخلو الوجود كله من واحد يُسلِّم عليه في ليل أو نهار، ونحن نؤمن ونصدق بأنه صلى الله عليه وآله وسلم حيٌّ يرزق في قبره، وأنَّ جسده الشريف لا تأكله الأرض، والإجماع على هذا)).
وقال ابن حزم في "المحلى" (1/25):
((وأما الشهداء فإنَّّ الله عز وجل يقول: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} البقرة: 154، وقال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} ال عمران: 169-170، ولا خلاف بين المسلمين في أنَّ الأنبياء عليهم السلام أرفع قدراً أو درجة وأتم فضيلة عند الله عزَّ وجلَّ وأعلى كرامة من كل مَنْ دونهم، ومَنْ خالف في هذا فليس مسلماً)).
ومن شاء الاستزادة في هذا الموضوع فعليه برسالة الحافظ البيهقي ((حياة الأنبياء)) ورسالة الحافظ السيوطي ((إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء)) وليراجع المتعصبون كتاب ((الروح)) لابن القيم لِيُرَوِّحوا عن أَنفسُهِم!!
ومن شاء الاستزادة في موضوع إبطال خطاب الغيبة ((السلام على النبي)) فليراجع رسالة شيخنا المحدّث العلامة الشريف ((سيدي)) عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله تعالى المسماة بـ ((القول المقنع...)) والله الهادي إلى سواء السبيل.
(5) وقد رجحنا تشهد ابن عباس الذي فيه إثبات لفظة ((المباركات)) على تشهد غيره من الصحابة لزيادة هذه اللفظة، وذلك لأنها موافقة لقول الله تعالى: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} النور:61، ولقول سيدنا ابن عباس في الحديث: ((كما يعلمنا السورة من القرآن، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علمه لابن عباس وأقرانه من صغار الصحابة فيكون متأخراً عن تشهد ابن مسعود وأضرابه من الصحابة، وارجع إلى ((شرح المهذب)) (3/457) للإمام النووي رحمه الله تعالى.
(6) يجب أن يُدغِم نون ((أنْ)) بلام ((لا إله)).
(7) هذه اللفظة ((وحده لا شريك له)) قال سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو من أشدِّ الناس متابعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((زدتُ فيها ـ أي في الشهادة في الصلاة ـ وحده لا شريك له)) رواه الطحاوي عنه في ((شرح معاني الآثار)) (1/264)، والدارقطني (1/351)، والبيهقي (2/139) بإسناد صحيح، وهو أمر حسن، وفيه دليل على إثبات البدعة الحسنة عند ابن عمر والسلف.
فإن قال قائل: لماذا لم تأخذوا بما جاء في روايةٍ عن ابن مسعود في التشهد ((السلام على النبي)) وأخذتم عن ابن عمر في زيادته ((وحده لا شريك له))؟!
قلنا: لأنَّ التغيير لا يجوز والزيادة تجوز، فتغيير ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد لا يجوز، وأما الاجتهاد بالزيادة فجائز، والدليل على ذلك حديث البخاري (2/284) وغيره في الرجل الذي قال: ((ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)) خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال سمع الله لمن حمده فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: ((رأيت بضعةً وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيُّهم يكتبها أوّل)). وقال الحافظ ابن حجر هناك ص(287): ((واستُدِلَّ به على جواز إحداث ذِكرٍ في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور)).
وما جاء في روايةٍ عن ابن مسعود مخالف للمأثور وما جاء عن ابن عمر غير مخالفٍ للمأثور بل فيه زيادة، فهذا هو الميزان، فتنبّه!!
ثم إن تلك الرواية عن سيدنا ابن مسعود فيه مخالفة الإجماع والنصوص التي ذكرناها وما جاء عن ابن عمر ليس كذلك، فافهم جيداً!! وهناك ثمة وجوه أخرى لا أود الإطالة هنا بذكرها وفيما ذكرناه أبلغ بيان لمن أراد الحق، والله الهادي.
(8) ويسنُّ أن يقول المصلي في التشهد وفي الصلاة الإبراهيمية ((سيدنا)) قبل ذكر اسم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما يتناقله بعض العامة من قولهم ((لا تسيِّدوني في الصلاة)) فموضوع مكذوب مفترى وليس بحديث، قال الحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) ص(463) برقم (1292): ((لا أصل له)).
فإذا قال قائل: كيف تزيدونها ولم يذكرها صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد والصلاة الإبراهيمية؟!
قلنا له: لا ضير في ذلك!! لأنَّ السنة لا تؤخذ من فعله صلى الله عليه وآله وسلم فقط بل تؤخذ أيضاً من قوله، بدليل أنَّ السيادة ثبتت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم، وقد ناداه الصحابة بها ووضعها ابن مسعود في صيغة الصلاة كما سيمر الآن محققاً في التعليق رقم (427) ولا بأس بزيادتها وقد زاد ابن عمر ((وحده لا شريك له)) في التشهد وغير ذلك كما مرَّ، والحافظ ابن حجر يقول كما في الفتح استدلالاً بالحديث المتقدّم في التعليق السابق وهو في البخاري (2/284) ص(287):
((واستُدِل به على جواز إحداث ذِكرٍ في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور)) وزيادة لفظة ((سيدنا)) فيها تأدب معه صلى الله عليه وآله وسلم، والله تعالى يقول: {فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الاعراف: 157، والتعزير هو: التفخيم والتعظيم، كما تجد ذلك في ((القاموس المحيط)) وغيره، فإثباتها مع ورودها في السُنَّة موافق للقرآن الكريم، واستدلَّ قوم على ذلك أيضاً بأنَّ التأدب خير من الامتثال وهو استدلال حسن ودلائله من السنة ثابتة في البخاري ومسلم من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم لسيدنا علي رضي الله عنه ((أمح رسول الله، قال علي: لا والله لا أمحوك أبداً)) (البخاري في مواضع منها 7/499 فتح ومسلم 3/1409) ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر رضي الله عنه ((ما منعك أن تثبت إذ أمرتك، قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)) (رواه البخاري 2/167 فتح، ومسلم 1/316)، وليس ههنا موضع بسطها والإطالة بها ولنقتصر على بعض الأحاديث والآثار التي ذُكِرَ فيها لفظ ((السيادة)) فنقول:
قال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا} النور: 63، وقال تعالى عن سيدنا يحيى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} آل عمران:39، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا سيد الناس)) رواه البخاري (8/395) ومسلم (1/186) وغيرهما، وقال الصحابي الجليل سيدنا سهل بن حُنَيْف للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا سيدي والرقى صالحة...)) رواه أحمد (3/486) والحاكم في ((المستدرك)) (4/413) وغيرهما وهو صحيح كما بيَّنته في ((التناقضات الواضحات)) الجزء الثاني ص(72) ورددتُ على مَنْ خالف! وتناقض!! وقال عمر ابن الخطاب كما في البخاري (7/99): ((أبو بكر سيِّدنا وأعتق سيِّدَنا، يعني بلالاً))، وفي البخاري (5/306) قال صلى الله عليه وآله وسلم عن سبطه الحسن: ((إنَّ ابني هذا سيد))، وقال أبو كثير وهو من التابعين: ((كنت مع سيدي علي بن أبي طالب..)) رواه الحميدي (1/31)، فهذه النصوص جميعها تثبت السيادة وخاصة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا سيما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا سيد الناس)) وهو متواتر، فمن قال: لا يجوز إطلاق السيادة عليه صلى الله عليه وآله وسلم لا خارج الصلاة ولا داخلها وتعذّر بأن هذا قد يؤدي إلى الإطراء المذموم كَفَرَ بلا مثنوية وخرج عن الإسلام، وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (10/464) للاستزادة.
وقال الحافظ السخاوي في ((القول البديع)) ص(108):
((وقرأت بخط بعض محققي مَنْ أخذتُ عنه ما نصه: الأدب مع مَنْ ذكر مطلوب شرعاً بذكر السيد، ففي حديث الصحيحين: قوموا إلى سيدكم، أي سعد بن معاذ وسيادته بالعلم والدين، وقول المصلّين، اللهم صلِّ على سيدنا محمد فيه الإتيان بما أُمِرْنا به، وزيادة الإِخبار بالواقع الذي هو أدب فهو أفضل مِنْ تركه فيما يظهر من الحديث السابق)).
ويقصد السخاوي بقوله (بعض محققي مَنْ أخذت عنه) ابن حجر على الراجح، ذلك لأن كتب الحافظ ابن حجر كان مسوّداتها عند السخاوي كما قال السيوطي في مقامته ((الكاوي)) ولم يصرِّح السخاوي باسمه لما ادّعاء السيوطي ووقع بينهما، وهذا كله مع الأدلة المتوافرة ينسف ما تشبّث به المتناقض! بفتوى الحافظ ابن حجر!! فجعلها كأنها نص مُنْزل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!! وما تشبث به ذلك المتناقض!! هو من التعصب للرجال!! أعاذنا الله من ذلك!! وقديماً قيل: اعرف الحق تعرف أهله! والحق لا يعرف بالرجال!!
وللسيد المحدّث الحافظ أحمد بن الصديق رحمه الله تعالى رسالة في موضوع السيادة اسمها ((تشنيف الآذان بأدلة استحباب السيادة عند اسمه عليه الصلاة والسلام في الصلاة والإقامة والأذان)) فليرجع إليها مَنْ شاء التوسع.
ومن تمسّك بخلاف ما قررناه فقد تمسك بخيط عنكبوت!! والله الهادي.