صفحة 1 من 1

سنية الجهر بالذكر الجماعي عقيب الصلاة

مرسل: الأربعاء سبتمبر 10, 2025 12:37 pm
بواسطة الباحث المفكر
سنية الجهر بالذكر الجماعي عقيب الصلاة

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

قال الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} البقرة: 152، وقال سبحانه: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الرعد: 28، وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} الكهف: 28، ويُسَنُّ للذين يصلون جماعة أن يرفعوا صوتهم بالذكر بعد السلام من الصلاة بالأذكار التي ذكرناها آنفاً، ولأنَّ القلوب تنتعش وتطمئن وتتنشط بالذكر الجماعي، فعن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((إنَّ رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم))(1).

وعن سيدنا ابن عباس أيضاً قال: ((كنت أعرف انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتكبير))(2).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى(3): ((وفيه دليل على جواز الجهر بالذكر عقب الصلاة))(4).

وعن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادَوا هلُّموا إلى حاجتكم، فيحفّونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم عز وجل وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ فيقولون: يسبحونك ويكبِّرونك ويحمدونك ويمجدونك... فيقول: أُشهدكم أني قد غفرتُ لهم، فيقول مَلَك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، فيقول الله سبحانه: هم الجلساء لا يشقى جليسهم))(5).

وعن سيدنا جابر رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تَحُلُّ وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة))، قالوا: وأين رياض الجنة؟ قال: ((مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله))(6).

وعن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت حاضر يصدّقه قال: إنّا لعند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال:((هل فيكم غريب، يعني أهل كتاب)) قلنا: لا يا رسول الله، فأمر بغلق الباب فقال: ((ارفعوا أيديكم فقولوا لا إله إلا الله)) فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده ثم قال: ((الحمد لله اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة، إنك لا تخلف الميعاد)) ثم قال: ((أبشروا فإن الله قد غفر لكم))(7).

وهناك أحاديث كثيرة جداً في رفع الصوت بالذكر الجماعي أيضاً(8).

فعن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأٍ خير منهم...))(9).

قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى(10): ((والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر)).

وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سلَّم من صلاته يقول بصوته الأعلى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبد إلا إياه له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مُخْلصين له الدين ولو كره الكافرون))(11).

وعن سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لَيَبْعَثَنَّ الله تعالى أقواماً يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ يغبطهم الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء، قال فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله جَلِّهم لنا نعرفهم؟ قال: هم المتحابّون في الله من قبائل شتى، وبلاد شتّى، يجتمعون على ذكر الله تعالى يذكرونه))(12).

وعن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: كان ـ سيدنا ـ عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: تعالَ نُؤمِن بربنا ساعة، فقال ذات يومٍ لرجلٍ فغضب الرجل، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله: ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يَرْحَمُ الله ابن رواحة إنّه يُحِبُّ المجالس التي تتباهى بها الملائكة عليهم السلام))(13).

وفي ((صحيح مسلم)) (4/2075) أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقةٍ من أصحابه فقال: ((ما أجلسَكُم؟)) قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومَنَّ به علينا، قال ((آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟)) قالوا: والله ما اجلسنا إلا ذاك، قال: ((أما إني لم أستحلفكم تُهْمَةً لكم، ولكنَّهُ أتاني جبريلُ فأخبرني أنَّ الله عزَّ وجلَّ يُباهي بكم الملائكة)).

فهذه الأحاديث جميعها تدلّ على استحباب الذكر الجماعي ورفع الصوت به، والله الموفق.

وأما حديث: ((لا يشوش قارئكم على مُصلِّيكم)) فحديث موضوع(14).

قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (11/209): [والمراد بالذكر هنا الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها مثل الباقيات الصالحات وهي ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار ونحو ذلك والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، ويطلق ذكر الله أيضاً ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفّل بالصلاة، ثم الذكر يقع تارة باللسان ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط استحضاره لمعناه ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه، وإن انضاف إلى نطق الذكر بالقلب فهو أكمل، فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه ازداد كمالاً، فإن وقع ذلك في عمل صالح مهما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالاً، فإن صحح التوجه وأخلص لله تعالى في ذلك فهو أبلغ الكمال. وقال الفخر الرازي: المراد بذكر اللسان الألفاظ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد، والذكر بالقلب: التفكر في أدلة الذات والصفات وفي أدلة التكاليف من الأمر والنهي حتى يطّلع على أحكامها، وفي أسرار مخلوقات الله، والذِّكْر بالجوارح: هو أن تصير مستغرقة في الطاعات، ومن ثَمَّ سمى الله الصلاة ذكراً فقال: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الجمعة: 9، ونقل عن بعض العارفين قال: الذكر على سبعة أنحاء: فَذِكْرُ العينين بالبكاء، وذكر الأذنين بالإصغاء وذكر اللسان بالثناء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلب بالخوف والرجاء، وذكر الروح بالتسليم والرضاء].
ثم قال ص(210): [وأخرج الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعاً: ((ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ((ذكر الله عز وجل))(15) وقد أشرت إليه مستشكلاً في أوائل الجهاد مع ما ورد في فضل المجاهد أنه كالصائم لا يفطر وكالقائم لا يفتر وغير ذلك مما يدل على أفضليته على غيره من الأعمال الصالحة، وطريق الجمع ـ والله أعلم ـ أن المراد بذكر الله في حديث أبي الدرداء الذكر الكامل وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكر في المعنى واستحضار عظمة الله تعالى، وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلاً من غير استحضار لذلك، وأن أفضلية الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن اتفق له أنه جمع ذلك كمن يذكر الله بلسانه وقلبه واستحضاره، وكل ذلك حال صلاته أو في صيامه أو تصدقه أو قتاله الكفار مثلاً فهو الذي بلغ الغاية القصوى، والعلم عند الله تعالى، وأجاب القاضي أبو بكر ابن العربي بأنه ما من عمل صالح إلا والذكر مشترط في تصحيحه، فمن لم يذكر الله في قلبه عند صدقته أو صيامه مثلاً فليس عملاً كاملاً، فصار الذكر أفضل الأعمال من هذه الحيثية. ويشير إلى ذلك حديث ((نية المؤمن أبلغ من عمله))](16) انتهى. فتأمل جيداً.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه البخاري (2/324 فتح) ومسلم (1/410).
(2) رواه البخاري (2/325) ومسلم (1/410).
(3) في ((فتح الباري)) (2/325).
(4) قلت: ولا حُجّة لمن خالف ذلك بحديث ((أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائب..)) لأن هذا وارد في النهي عن رفع الصوت بالذكر في الطريق أثناء المسير، وما أوردناه خاص بدبر الصلوات وعقيبهنَّ فافترقا، كما أنه لا حجة لمن تمسك بقول فلان وفلان فإن الإمام الشافعي قال: ((إذا صح الحديث فهو مذهبي)) وقد صح كما ترى الحديث برفع الصوت في الصحيحين وليس وراء ذلك إلا التعصب!! وما لنا نرى بعض الناس يتمسك بقول بعض العلماء ويتركوا السنة الثابتة متى خالف أهواءهم!! ومن باب قولهم من فمك ندينك نقول: يقول ابن تيمية الحرّاني في ((الاختيارات العلمية)) ص(38) في المجلد الرابع في من الفتاوى المطبوع ضمن (5) مجلدات ما نصه:
((وقراءة الإدارة حسنة عند أكثر العلماء، ومن قراءة الإدارة قراءتهم مجتمعين بصوت واحد)).
وكذا قول ابن قيم الجوزية المعروف بابن زفيل في ((إعلام الموقعين)) (2/289): ((ومنه تقريرهم – اي إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة – على رفع الصوت بالذكر بعد السلام بحيث كان من هو خارج المسجد يعرف انقضاء الصلاة بذلك، ولا ينكره عليهم)).
(5) رواه البخاري (11/209) ومسلم (4/2070).
(6) رواه ابو يعلى (3/391) والحاكم في ((المستدرك)) (1/494) وهو صحيح، وعمر بن عبد الله مولى غُفْرة الذي في سنده ثقة عندنا لا سيما إذا لم يرو عن الصحابة، لأن روايته عن الصحابة مرسلة، وهنا لم يروِ عن صحابي، وقد وثقه ابن سعد، وقال أحمد: ليس به بأس.
(7) رواه أحمد (4/124) والطبراني في ((الكبير)) (7/290 برقم 7163) والبزار (1/13 كشف الأستار) والحاكم (1/501)، وهو صحيح، وحسّنه الحافظ المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (2/415)، وقال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (1/19): ((رواه أحمد والطبراني والبزار ورجاله موثقون)).
(8) تجدها في كتاب الإمام السيوطي ((نتيجة الفكر في الجهر بالذكر)) وهي مطبوعة في كتابه ((الحاوي للفتاوي)) وكذلك تجد أحاديث أخرى في ((الترغيب والترهيب)) (2/401-408) وبعضها في الصحيحين والله الموفق.
(9) رواه البخاري (13/384) ومسلم (4/2068).
قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (13/387): ((وأجاب بعض أهل السنة.. احتمال أن يكون المراد بالملأ الذين هم خير من الملأ الذاكر، الأنبياء والشهداء فإنهم أحياء عند ربهم..)) انتهى ما أردت نقله.
(10) انظر ((الحاوي للفتاوي)) (1/389).
(11) رواه الإمام الشافعي بهبذا اللفظ في ((الأم)) (1/110) وكذا البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (3/106) والبغوي في ((شرح السنة)) (3/226)، وهو في ((صحيح مسلم)) (1/415 برقم 594) دون لفظة ((بصوته الأعلى)) وهي صحيحة ثابتة، ورواية مسلم تعطي معناها وإن لم ترد فيها لأنه كيف سمعه عبد الله بن الزبير إذا لم يكن قد جهر بها وقد كان مع الصبيان في الصفوف الأخيرة؟!
(12) قال الحافظ المنذري في ((الترغيب)) (2/406): ((رواه الطبراني بإسنادٍ حسن))، وكذلك قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (10/77).
(13) رواه أحمد في ((المسند)) (3/265) وقال الحافظ المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (2/403) والحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (10/76): ((رواه أحمد وإسناده حسن)).
(14) قال في ((كشف الخفاء)) (2/527 برقم 3149): ((قال النجم لا يُعْرَف بهذا اللفظ)) وأزيد بأنه موضوع ولا سند له، وأما حديث ((لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن)) فليس في معناه، بل المراد منه أن لا يرفع إنسان صوته بالقرآن على صوت آخر بالقرآن وفيه أنه لا يجوز أن يرفع مُصَلٍ صوته بالقرآن خلف الإمام أو ليضارب على مصلٍ آخر.
وأقول لمن تعصب لغير ما قررناه أيضاً: قال الشيخ سليمان بن سحمان النجدي الحنبلي المتوفى سنة (1349) هـ في كتابه ((تحقيق الكلام في مشروعية الجهر بالذكر بعد السلام)) طبع دار العاصمة الرياض / الطبعة الثانية 1408 هـ ص(48) ما نصه:
((ليس ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ممّا سنَّهُ من الجهر بالذكر بعد المكتوبة تشويشاً على الناس، بل هذا القول هو التشويش على الناس والتلبيس عليهم، بل هو من أبطل الباطل وأعظم المنكرات، لأنَّ ذلك دفع في نحر النصوص ورَدٌّ لها بالتمويه والسفسطة والقول بلا علم وقلب للحقائق، فإنَّ هذا القول لا يقوله مَن في قلبه تعظيم للنصوص وتوقير لها،بل أقوال الرجال وخرصها عنده أعظم قدراً وأجلُّ خطراً، فلذلك زعم أنَّ هذا تشويش على الناس بمجرّد خلاف بعض أهل المذاهب الأربعة)) انتهى.
وكذلك قال ابن حزم في ((المحلى)) (4/260): ((مسألة، ورفع الصوت بالتكبير إثر كل صلاةٍ حَسَنٌ)).
وقال الإمام الحافظ السيوطي في رسالته ((نتيجة الفكر بالجهر بالذكر)) ((انظر الحاوي للفتاوي (1/393)) ما نصه:
[(فصل): إذا تأمّلتَ ما أوردنا من الأحاديث، عرفتَ من مجموعها أنه لا كراهة البتة في الجهر بالذكر بل فيه ما يدل على استحبابه إما صريحاً أو التزاماً كما أشرنا إليه فإن قلت: قال الله تعالى: {واذكر ربَّك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول} الاعراف: 205، قلت الجواب عن هذه الآية من ثلاثة أوجه (الأول): أنها مكية كآية الإسراء {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} الاسراء: 110، وقد نزلت حين كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجهر بالقرآن فيسمعه المشركون فيسبون القرآن ومَنْ أنزله، فأُمِرَ بترك الجهر سداً للذريعة كما نُهي عن سب الأصنام لذلك في قوله: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فَيَسُبُّوا الله عدواً بغير عِلْم} الانعام: 108، وقد زال هذا المعنى وأشار إلى ذلك ابن كثير في تفسيره..] انتهى.
قلت: وأما حديث ((خير الذكر الخفي)) فحديث ضعيف انظر ((صحيح ابن حبان)) (3/91) و ((المقاصد الحسنة)) للسخاوي ص(207) على أنّ معناه ليس كما يتبادر لبعض الناس، قال الحافظ السخاوي هناك: ((والمعنى أنَّ إخفاء العمل وعدم الشهرة والإشارة إلى الرجل بالأصابع خير من ضده وأسلم في الدنيا والدين)) انتهى. فيكون معنى الذكر هنا السيرة الذاتية للإنسان، أي الخمول خير من الشهرة، وعلى كلٍ فالحديث ضعيف في سنده على اختلاف طرقه ثلاث علل (أي ليست في طريق واحد) محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة والليثي ضعيفان ورواية ابن لبيبة عن سعد بن أبي وقاص منقطعة (أي مرسلة) والله الموفق.
(15) رواه الترمذي (5/459) وابن ماجه (2/1245) والحاكم (1/496) وهو صحيح.
(16) رواه الطبراني في ((الكبير)) (6/185) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (5/343) قال الحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) ص(450) عن طرق هذا الحديث: ((وهي وإن كانت ضعيفة فبمجموعها يتقوى الحديث))، وانظر ((مجمع الزوائد)) (1/61).

[تنبيه]: وإذا كان الإمام لا يُحْسِنُ الصلاة بإخلاله ببعض أركانها ونُصِحَ فلم ينتصح ولم يصحح صلاته، أو تعصب لأمرٍ خطأ تبطل الصلاة به، أو كان فاسد العقيدة كالمجسم والمشبه فساعتئذٍ لا تصح الصلاة خلفه حسب ما هو معلوم ومعروف عند أهل العلم، فصلاة المرء في الجماعة وراءه غير صحيحة، وصلاته في بيته وحده أو مع أهله وأولاده صحيحة بلا شك ومأجور عليها، وأما المبتدع الذي لا يكفر ببدعته ومَنْ يُخِلُّ بشيءٍ من السنن فالصلاة خلفه صحيحة مع الكراهة، فإن استطاع أن يصلي في مسجد آخر فيستحب ويتأكد عليه وإلا فلا، وللموضوع أدلة طويلة الذيل ليس هذا محل بسطها.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح المهذب)) (4/253): ((قد ذكرنا أنَّ مَنْ يكفر ببدعته لا تصح الصلاة وراءه، ومَنْ لا يكفر تصح، فممن يكفر مَنْ يُجَسِّمُ تجسيماً صريحاً)).
وقال الإمام القرطبي في كتابه ((التذكار)) ص(208) في المجسمة: ((والصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عُبّاد الأصنام والصور)). فنسأل الله تعالى السلامة! وهو المستعان!