صفحة 1 من 1

مسألة قصر الصلاة للمسافر

مرسل: الخميس سبتمبر 11, 2025 10:41 am
بواسطة الباحث المفكر
.
مسألة قصر الصلاة للمسافر

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

قَصْرُ الصلاةِ الرُّباعية إلى ركعتين رخصة، وهو جائز في السفر إذا قصد المسافر بلدة معينة تبعد عن طَرَفِ بلده (81) كيلو متراً تقريباً فأكثر، ويجوز أن يترخّص فيجمع بمجرّد خروجه من بَلَدِهِ أو البلدة التي يُسافر منها بشرط أن تكون المسافة المقصودة (81) كيلو متراً أو أكثر كما ذكرنا.

فإذا أقام في بلدة أربعة أيام كاملة أي (96) ساعة، فإنه يُعْتَبَرُ مقيماً ولا يجوز له أن يقصر.

وإذا دخل بلدةً لا يعرف كم سيبقى فيها لحاجة يريد إنجازها فربما تنتهي بيوم أو يومين وربما على أربعة أيام فله أن يترخّص لغاية تسعة عشر يوماً فإن زاد على ذلك أتم، وإليك ذلك مفصلاً بأدلته: قال الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا} النساء: 101.

وعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها كانت تقول في السفر: ((أتموا صلاتكم، فقالوا: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يُصلّي في السفر ركعتين فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في حَربٍ وكان يخاف فهل تخافون أنتم؟!))(1).

المسافة التي يجوز القصر فيها: قال شيخنا المحدّث ((سيدي)) عبد الله بن الصِّدِّيق أعلى الله درجته ورحمه في كتابه ((الصبح السافر في تحقيق صلاة المسافر)) ص(70): ((اختلف في المسافة التي يصح فيها القصر على أقوال، كثير منها شاذ مردود، لأنه يفتح باب التساهل في الصلاة والصيام،... والحكمة من شرعية القصر والفطر في السفر هي المشقة أو مظنتها، والسفر القصير.. لا مظنة فيه للمشقة أصلاً، فالترخص فيه بالقصر ونحوه تساهل كبير بل تلاعب بالنصوص وإبطال للعبادة! ونحن نعلم أن الله تعالى حين أطلق لفظ السفر في الآية لم يُرد هذا السفر القصير الذي يراد للترويح والنزهة، وإنما أراد السفر الشاق الذي يحتاج صاحبه إلى الرخصة فالآية التي أطلقت السفر {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} النساء: 43، هي من قبيل العام المخصوص، والذين أخذوها على عمومها لم يفهموا معنى الرخصة ولا حكمتها..)) انتهى.

قلت: وقد ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((السفر قطعةٌ من العذاب))(2).

قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه (فتح2/565): ((وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يَقْصُرانِ ويفطران في أربعة بُرُد وهي ستة عشر فرسخاً)).

قلت: وتساوي بالكيلو مترات (80.640) كم على الصحيح الأحوط وابن عباس وابن عمرمن أشد الناس متابعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما هو معلوم ومشهور.

وعن عطاء قال: سألتُ ابنَ عباس رضي الله عنهما أَقْصُرُ الصلاة إلى عرفة؟ قال: لا، قلت: إلى منى؟ قال: لا، ولكن إلى جُدَّة وإلى عُسْفان وإلى الطائف، فإن قدمتَ على أهْل لك أو على ماشيةٍ فأتمَّ الصلاة(3).

قلت: وبين مكة وجدة في الزمن السابق نحو الـ (80) كيلو متراً ولكن اليومَ لا يجوزُ القصر بين مكة وجُدَّةَ لتوسع العمران، وقرب المسافة، وعدم وجود مشقة السفر.

وفي الموطأ(4) عن سالم بن عبد الله بن عمر: أن ابن عمر رضي الله عنهما رَكِبَ إلى ريمٍ فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك: وذلك نحوٌ من أربعة بُرُدْ.

وفي الموطأ أيضاً (1/147) عن سالم: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ركب إلى ذات النُّصُبِ فَقَصَرَ الصلاة في مسيره ذلك.
قال مالك وبين ذات النُّصُب والمدينة أربعة بُرُد، وفي الموطأ (1/148) عن نافع أنه: ((كان يُسافِرُ مع ابن عمر البريد، فلا يَقْصُرُ الصلاةَ))(5).

المدّة التي يجوز القصر والجمع (عند من لا يرى الجمع في الحضر) فيها: إذا أقام المسافر ببلد أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج فإنّه يُعتَبَرُ مُقيماً لا مسافراً فلا يجوز أن يترخّص فيجمع أو يقصر الصلاة، والدليل عليه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يُصلِّي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً))(6) أي أربعة أيام إلا قليلاً بمكة والباقي بعرفات ومنى كما سيأتي الآن في كلام الحافظ ابن حجر مفصلاً إن شاء الله تعالى.

قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (2/562): ((قوله (أقمنا بها عشراً).. ولا شَكَّ أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها كما قال أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء، لأنه خرج منها في اليوم الثامن فصلّى الظهر مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء، لأنه خرج منها في اليوم الثامن فصلى الظهر بمنى، ومن ثمَّ قال الشافعي: إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام..)) انتهى.

قلت: والدليل على أنَّ الأربعة أيام تعتبر إقامة وأنَّ ما دونها لا يعتبر إقامة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأذن للمهاجرين بالإقامة في مكة أكثر من ثلاثة أيام، قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح))(7): ((لأن الإقامة بمكة على المهاجرين حرام)) قلت: وإليك النص في ذلك:
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في (الأم) (1/164): [قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً))(8) فبهذا قلنا إذا أزمع (أي نوى وقصد) المسافر أن يقيم بموضعٍ أربعة ايامٍ ولياليهنَّ ليس فيهنَّ يوم كان فيه مسافراً فدخل في بعضه، ولا يوم يخرج في بعضه أتمَّ الصلاة... فإن قَصَرَ المُجْمِعُ مُقامَ أربع(9) فعليه إعادة كُلِّ صلاةٍ صلاّها مقصورة].

فمن نوى الإقامة في بلدة أربعة أيام فإنه بمجرّد وصوله لها يُتِمُّ ولا يجمع الصلواتِ لأنه له حكم المقيم..

المدّة التي يجوز القصر فيها لمن سافر لبلدة لحاجة ولا يدري متى تنقضي: من دخل بلدة مسافراً لحاجة ولا يدري كم يوماً يحتاج للمكث فيها، فربما تنقضي بيومين أو ثلاثة وربما تسترسل المدة بالزيادة فإنه يجوز له أن يقصر ويجمع تسعة عشر يوماً فإن زاد على ذلك أتم ولم يجمع، والدليل عليه حديث سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسعة عشر يَقْصُرُ، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا))(10).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى(11): ((حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وحديث أنس في حجة الوداع.. فالمدّة التي في حديث ابن عباس يسوغ الاستدلال بها على مَنْ لم ينوِ الإقامة بل كان متردداً متى يتهيأ له فراغ حاجته يرحل)) انتهى.

قلت: وأما الجيش الذي يتحرك من مكانه إلى منطقة أُخرى فإن علم أنه سيقيم في المحلّة الأخرى أربعة أيام فأكثر لم يقصر ولم يجمع، وأما إذا كان يتنقّل من محل إلى محل في حرب أو حصار عدوٍ أونحو ذلك فإنه يقصر ويجمع، فعن سيدنا جابر رضي الله عنه قال: ((إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة))(12).

وهذا محمول كما هو واضح وظاهر على الجيش الذي لا يتهيأ له الاستقرار ولا الراحة، وعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((أُريح علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في الغزاة، وكنا نصلّي ركعتين))(13).

وأما الطالب الذي يسافر إلى بلدة ما للدراسة فيها فلا يجوز له أن يقصر ويجمع البتة، فإن كان أقام فيها أكثر من أربعة أيام فقصر وجمع فعليه أن يعيد كل صلاة رباعية قصرها وكل صلاة نقلها إلى غير وقتها جامعاً لها، لأنّ هذا الطالب ليس له حكم الجيش الذي يتنقَّل دون راحة، بل هو في بيت أو فندق مستقراً ومرتاحاً فيه فسقطت عنه مشقة السفر، بل نجد أكثرهم يرتاحون في تلك البلدان أكثر من راحتهم في بيوتهم في بلادهم، وقد بلغنا أن بعض الناس أفتى الطلاب بأنه يجوز لهم الفطر في رمضان والقصر والجمع وإن أقاموا عشر سنين لأنهم فيما يزعم مسافرون!! وهذا خطأ فادح وتلاعب بأحكام الشرع، والله المستعان.

[تنبيه]: إذا كان هناك طالب يدرس في جامعة أو مدرسة تبعد عن بلده مسافة القصر، وأحياناً يقيم في البلدة التي فيها جامعته أومدرسته أربعة أيام وأحياناً أُسبوعاً وأحياناً يوماً ثم يرجع إلى بلده فهذا الشخص يجوز له أن يقصر في الطريق فقط إذا كانت مسافة الطريق (81) كم أو أكثر، وأما في بلده وبلد جامعته فلا يجوز له القصر ولو أقام طول السنة في كلٍ منهما أقل من أربعة ايام، وبذلك جاءت الآثار وأفتى الصحابة رضي الله عنهم، فعن عطاء قال: ((سألتُ ابنَ عباس: أَقْصُرُ الصلاةَ إلى عرفة؟ قال: لا، قلت: إلى منى؟ قال: لا، ولكن إلى جُدَّةَ وإلى عُسْفان وإلى الطائف، فإن قَدِمْتَ على أهلٍ لك أو على ماشية فأَتِمَّ الصلاة))(14).

قلت: كان لبعض الناس غنم وماشية خارج مكة والمدينة، بحيث يكون لهم بيت شَعَر وهو المركز للغنم وتنطلق للرعي منه طيلة النهار ثم تأتي لهذا البيت الذي هو خارج مكة أو المدينة، وصاحب الغنم يذهب لبيته الأصلي في مكة أو المدينة ويتردد إلى بيت الشَعَرِ الذي في الخارج، فيعتبر وصوله إلى بيت الشَعَرِ وصولاً لمكان يرتاح فيه كأنه بيته الآخر، فمتى وصله لا يجوز أن يجمع ويقصر فيه فمن هذا استُنبِطَ حكم الطالب، والله تعالى أعلم.

[تنبيه مهم جداً]: إذا اقتدى المسافر الذي يقصر بمقيمٍ ولو لحظة واحدة وجب عليه الإتمام في تلك الصلاة التي اقتدى بها بالمُتِم، لأن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه هو من كبار فقهاء الصحابة كان يرى الصلاة بمنى ركعتين فلمّا اقتدى بسيدنا عثمان رضي الله عنه وقد صلاّها أربع ركعات، أتمها سيدنا ابن مسعود أربع ركعات، كما في البخاري (2/563).

وفي صحيح مسلم (1/482) عن ابن عمر أنه: ((كان إذا صلى مع الإمام صلّى أربعاً، وإذا صلى وحده صلى ركعتين)).

وأما إذا اقتدى المقيم بمسافرٍ يقصر، فإنه بعد فراغ المسافر من ركعتيه وسلامه منهما يقوم المتم للثالثة والرابعة ليكمل صلاته، فإن قصر خلف المسافر بطلت صلاته، والدليل عليه حديث عمران بن حصين رضي الله عنه: أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يُصَلِّي بمكة ركعتين ويقول: ((يا أهل مكة أتمّوا فإنا قوم سَفْرٌ))(15).

وإذا وُجِد أشخاصٌ يُحبُّون القصر والجمع فقط لأنه يوافق أهواءهم وما تشتهيه أنفسهم فإنهم يُفْتَوْنَ بالإتمام وبترك الجمع لقوله تعالى: {فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى} النساء: 135، وعن سيدنا عثمان رضي الله عنه أنه أتم بمنى ثم خطب فقال: ((إن القَصْرَ سُنَّةُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه، ولكنه حدث طَغَامٌ فخفت أن يَسْتَنُّوا))(16).

فعلى العاقل البصير أن يحتاط لدينه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (5/245) بسند حسن.
(2) رواه البخاري (9/555) ومسلم (3/1526).
(3) رواه عبد الرزاق (2/524) بإسنادٍ صحيح.
(4) ((الموطأ)) (1/147).
(5) وهذا الأثر ثابت عن ابن عمر بإسناد صحيح وبه يُعْلَم بأنَّ ما جاء عن ابن عمر مرفوعاً من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ قصر الصلاة)) المراد منه أنه إذا خرج وابتعد عن المدينة مسافة ثلاثة أميال فإنه يكون بذلك قد فارق البلدة التي يسكنها واعتبر مسافراً إذا كان مقصده أكثر من أربعة بُرُد فساعتئذ يترخص برخص السفر، فافهم، وهذا متعين جمعاً بين الأدلة، لأنه يستبعد جداً أن يروي سيدنا ابن عمر شيئاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يعمل به، وهذا الذي قررناه جزم به الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح المهذب)) (4/328) ومَنْ خالف ذلك فقد أخطأ.
(6) رواه البخاري في ((الصحيح)) (2/561) ومسلم (1/481).
(7) ((الفتح)) (2/570).
(8) رواه البخاري (7/267)، ومسلم (2/985)، وقال الحافظ في ((الفتح)) (7/267): ((ويستنبط من ذلك أنَّ الإقامة ثلاثة أيام لا تُخْرِج صاحبها عن حكم المسافر)).
(9) أي: إذا قصر الذي عزم على الإقامة في بلدة أربعة أيام.
(10) رواه البخاري (2/561).
(11) ((فتح الباري)) (2/562).
(12) رواه أحمد (3/295) وقال الإمام النووي: ((حديث صحيح الإسناد، على شرط البخاري ومسلم..)) وأقرّه الحافظ ابن حجر في (التلخيص)) (2/45) و ((نصب الراية)) (2/186).
(13) البيهقي (2/152) بإسناد صحيح.
(14) رواه عبد الرزاق (2/524) بإسناد صحيح.
(15) رواه أحمد (4/430) وأبو داود (2/10) والطبراني (18/208) وغيرهم وهو حديث حسن.
(16) رواه البيهقي (2/144) بإسنادٍ حسن، والطَغَام: أوباش الناس ورعاعهم.