صفحة 1 من 1

جواز الصلاة بين السواري ولا كراهة في ذلك

مرسل: الخميس سبتمبر 11, 2025 1:48 pm
بواسطة الباحث المفكر
جواز الصلاة بين السواري ولا كراهة في ذلك

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

تجوز الصلاة بين السواري ولا تكره، وقد ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلّى بين ساريتين، فعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم البيت ـ أي الكعبة ـ وأُسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال فأطال، ثم خرج، وكنت أَوّلَ الناس دخل على أثره، فسألت بلالاً: اين صلّى؟ فقال: بين العمودين...))(1).
فهذا الحديث يؤخذ منه جواز الصلاة للمنفرد والجماعة بين السواري، ولأنَّ الأصل جواز الصلاة في أيِّ موضعٍ، سواء بين السواري وغيره، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((جُعِلَت لنا الأرض كلها مسجداً)) وفي روايةٍ أخرى: ((الأرض لك مسجد، فحيثما أدركتك الصلاة فَصَلِّ))(2).

واعلم أخي المؤمن بأنه لم يَصِحَّ نهي عن الصلاة بين السواري البتة، وقد علَّل بعض مَنْ قال بكراهة الصلاة بين السواري بأنَّ الصلاة بين السواري تؤدّي إلى انقطاع الصف(3) ولأنه موضع النِّعال، كما نقله الحافظ في ((الفتح)) (2/578)، وهذا التعليل مُنتفٍ تماماً في هذه الأيام(4)، لأنَّ السواري قديماً كانت في المسجد الواحد بل في الصف الواحد كثيرة جداً مما يؤدي لاختلال شكل الصف بحيث توجد سارية بعد كل رجلين أو ثلاثة، وبتقدّم العمران اليوم في الهندسة الحديثة اسْتُغْنيَ عن أكثر السواري والأعمدة في المسجد بحيث صرنا لا نرى في الصف الذي تكون فيه السواري غير عمود أو اثنين بحيث لا يُخلُّ ذلك بهيئة الصف أو نظامه إطلاقاً، وأما المعنى الثاني وهو أن ما بين السواري موضع النعال فقد انتفى اليوم بوجود الخزائن الخاصة للأحذية أو وضع المُصَلِّين أحذيتهم على أبواب المساجد(5).

فمن الخطأ الكبير أن يُرَكِّز بعض أئمة المساجد أو بعض المصلين على إبعاد الناس عن منطقة الأعمدة وإفتاء العامَّة بعدم جواز الصلاة بين السواري أو كراهتها ويثيرون الفتن لذلك!! ورحم الله عبداً عرف الحق فاتبعه(6).


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه البخاري (1/578) ومسلم (2/966).
(2) روى مسلم كلا الروايتين في ((صحيحه)) (1/370،371) الأولى عن سيدنا حذيفة، والثانية عن سيدنا أبي ذر رضي الله عنهما.
(3) الصحيح أن المراد بقطع الصف إبقاء فراغٍ فيه دون أن يقف فيه أحد، وأما إذا تخلَّلت الصف سارية فهذا لا يُعتَبر ولا يُعد قطعاً للصف، فتأمل جيداً!!
(4) مع التفطُّن إلى عدم وجود أو صحة نهي في ذلك.
(5) إلا إذا دعا مَنْ يتظاهر بالدعوة إلى السنة اليوم إلى إعادة وضع الأحذية داخل المسجد بين السواري!! تطبيقاً للسنن التي يتزعّمون الدعوة إليها ويلهون المسلمين بها!! فاللهم هُداك!!
(6) ولا بأس ههنا أن ننقل بعض الأحاديث أو الآثار التي يحتج بها مَنْ يدّعي كراهة أو عدم جواز الصلاة بين السواري مع بيان ضعفها ووهائها باختصار:
1- أثر قُرَّة بن إياس قال: ((كُنَّا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نُطْرَد طرداً أن نقوم بين السواري في الصلاة)) رواه ابن ماجه (1/230) والحاكم (1/218) وغيرهما وهو ضعيف منكر. في إسناده هارون بن مسلم، وهو ((شيخ مجهول)) كما قال أبو حاتم الرازي في ((الجرح والتعديل)) (9/94)، وقد تفرد به عن قتادة دون أصحاب قتادة.
2- أثر لسيدنا عبد الله بن مسعود يقول فيه: ((لا تَصُفُّوا بين السواري)) رواه البيهقي (3/104) وغيره وهو ضعيف، في سنده معدي كرب الهَمْداني لم يروِ عنه إلا أبو إسحق، وانفرد ابن حبان بتوثيقه، وهذا يحكم على حديثه بالضعف عندهم، فكيف وهو أَثَرٌ ربما يكون عن اجتهاده؟!
3- وهناك أيضاً أثر عن سيدنا أنس يقول فيه: ((كُنَّا نتَّقي هذا _ أي الصلاة بين السواري _ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)) رواه أحمد (3/131)، والبيهقي (3/104) وفي إسناده رجل مُتكلَّم فيه، وقوله فيه: (كُنَّا نتَّقي) لما ذكرناه من وضع الأحذية بين السواري وغيره، ولا دلالة في الأثر على الكراهة، وهو ضعيف، والذي يؤكد ضعفه أن ابن سيرين وهو مولى سيدنا أنس رضي الله عنه ومن خواص تلامذته وأعرف الناس بأقواله كان يُفْتي الناس بأنه لا بأس بالصلاة بين السواري، كما روى ذلك عنه عبد الرزاق (2/61) وغيره بإسنادٍ صحيح، والله الموفق والهادي.