من روائع ابن الجوزي .. شَرَهُ المحدِّثين في نشر الأباطيل
مرسل: الخميس يناير 22, 2026 9:46 am
من روائع ابن الجوزي
شَرَهُ المحدِّثين في نشر الأباطيل
د.عمار الحريري
في سياق نقد ابن الجوزي في كتابه الموضوعات، وقف عند الحديث المكذوب على الصحابي الجليل أُبيّ بن كعب، الذي زُعِم فيه أنّه طلب من رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يخصّه بمعرفة أجر فضائل القرآن سورة سورة...
وبعد أن ساق ابن الجوزي الحديث الموضوع – وسأضعه في التعليق الأول – عقّب على تبنّي بعض المفسّرين لهذا الحديث المكذوب في تفاسيرهم. لكنه – من إنصافه – التمس العذر لبعضهم لجهلهم بعلم الحديث. غير أنّه عاتب أبا بكر بن أبي داود، لكونه صاحب دراية بالحديث، ومع ذلك أورد هذا الحديث في كتابه فضائل القرآن.
وحقيقةً، قبل أن أنقل كلام ابن الجوزي، أشير إلى نكتة بالغة الأهمية تُستنبط من موقفه هذا، وهي جديرة بأن نقف عندها جميعًا: فالمسألة ليست في إيراد حديث مكذوب في كتاب تفسير فحسب، وإنما في الخلفية العلمية التي سمحت لذلك المفسّر أن يستسيغ أو يجرؤ على ذكر مثل هذه الأحاديث، دون أن يسأل عن صحتها ولا أن يتأمل في مضمونها الركيك المصطنع، ودون رادع الخوف في التقول على رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وهذه الإشارة لا تتوقف عند هذا الحديث بعينه، ولا عند علم التفسير وحده؛ بل هي عامة شملت كل العلوم، وأخطرها كتب الحديث نفسها. إذ كيف أصبحنا اليوم نواجه تحديًا كبيرًا في تهذيب هذه الأباطيل ونقدها، بينما يُثبّطنا وهمٌ متجذّر بأننا لسنا بأعلم ولا أفقه من المتقدمين حتى نستدرك عليهم؟! في حين أنّ القضية ليست في شخص العالم، بل في البيئة والثقافة والكمّ والتراكم، بل وفي شهوة الرواية التي غلّبت الكمّ على حساب الدقة والصحة والتهذيب.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:
"وَقد فَرّقَ هَذَا الحَدِيثَ أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره فَذكر عِنْد كل سُورَة مِنْهُ مَا يَخُصهَا وَتَبعهُ أَبُو الْحسن الواحدي فِي ذَلِك وَلَا أعجب مِنْهُمَا لانهما ليسامن أَصْحَاب الحَدِيث، وَإِنَّمَا عجبت من أبي بكر بن أبي دَاوُد كَيفَ فرقه على كِتَابه الَّذِي صنفه فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَهُوَ يعلم أَنه حَدِيث محَال، وَلَكِن شَره جُمْهُور الْمُحدثين فَإِن من عَادَتهم تَنْفِيقِ حَدِيثهمْ وَلَو بِالْبَوَاطِيل، وَهَذَا قَبِيح مِنْهُم لِأَنَّهُ قد صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " من حدث عَنى حَدِيثا يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَاذِبين ".
الموضوعات لابن الجوزي
شَرَهُ المحدِّثين في نشر الأباطيل
د.عمار الحريري
في سياق نقد ابن الجوزي في كتابه الموضوعات، وقف عند الحديث المكذوب على الصحابي الجليل أُبيّ بن كعب، الذي زُعِم فيه أنّه طلب من رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يخصّه بمعرفة أجر فضائل القرآن سورة سورة...
وبعد أن ساق ابن الجوزي الحديث الموضوع – وسأضعه في التعليق الأول – عقّب على تبنّي بعض المفسّرين لهذا الحديث المكذوب في تفاسيرهم. لكنه – من إنصافه – التمس العذر لبعضهم لجهلهم بعلم الحديث. غير أنّه عاتب أبا بكر بن أبي داود، لكونه صاحب دراية بالحديث، ومع ذلك أورد هذا الحديث في كتابه فضائل القرآن.
وحقيقةً، قبل أن أنقل كلام ابن الجوزي، أشير إلى نكتة بالغة الأهمية تُستنبط من موقفه هذا، وهي جديرة بأن نقف عندها جميعًا: فالمسألة ليست في إيراد حديث مكذوب في كتاب تفسير فحسب، وإنما في الخلفية العلمية التي سمحت لذلك المفسّر أن يستسيغ أو يجرؤ على ذكر مثل هذه الأحاديث، دون أن يسأل عن صحتها ولا أن يتأمل في مضمونها الركيك المصطنع، ودون رادع الخوف في التقول على رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وهذه الإشارة لا تتوقف عند هذا الحديث بعينه، ولا عند علم التفسير وحده؛ بل هي عامة شملت كل العلوم، وأخطرها كتب الحديث نفسها. إذ كيف أصبحنا اليوم نواجه تحديًا كبيرًا في تهذيب هذه الأباطيل ونقدها، بينما يُثبّطنا وهمٌ متجذّر بأننا لسنا بأعلم ولا أفقه من المتقدمين حتى نستدرك عليهم؟! في حين أنّ القضية ليست في شخص العالم، بل في البيئة والثقافة والكمّ والتراكم، بل وفي شهوة الرواية التي غلّبت الكمّ على حساب الدقة والصحة والتهذيب.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:
"وَقد فَرّقَ هَذَا الحَدِيثَ أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره فَذكر عِنْد كل سُورَة مِنْهُ مَا يَخُصهَا وَتَبعهُ أَبُو الْحسن الواحدي فِي ذَلِك وَلَا أعجب مِنْهُمَا لانهما ليسامن أَصْحَاب الحَدِيث، وَإِنَّمَا عجبت من أبي بكر بن أبي دَاوُد كَيفَ فرقه على كِتَابه الَّذِي صنفه فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَهُوَ يعلم أَنه حَدِيث محَال، وَلَكِن شَره جُمْهُور الْمُحدثين فَإِن من عَادَتهم تَنْفِيقِ حَدِيثهمْ وَلَو بِالْبَوَاطِيل، وَهَذَا قَبِيح مِنْهُم لِأَنَّهُ قد صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " من حدث عَنى حَدِيثا يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَاذِبين ".
الموضوعات لابن الجوزي