.
مناقشة الحافظ ابن حجر في اعتراضه على إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة
من كتاب صحيح صفة صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح"(1): [(تنبيه): من البدع المنكرة ما أُحْدِث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام زعماً ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت زعموا، فأخروا الفطر وعجلوا السحور وخالفوا السنة، فلذلك قل عنهم الخير وكثر فيهم الشر والله المستعان].
أقول: الصواب والسنة هو هذا الفعل الذي أنكره الحافظ ابن حجر! فالصواب عكس ما يتبناه ابن حجر! وليس قصد ابن حجر إلا الرد على الشيعة الذين يسميهم روافض! فالاحتياط للعبادات أمر واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد قال الحافظ ابن جرير الطبري السلفي (ت 310هـ) في تفسيره (2/176): ((إذ كانت الصلاة صلاة الفجر هي على عهده ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت تصلى بعدما يطلع الفجر ويتبين طلوعه، ويؤذَّن لها قبل طلوعه)). فهذا ابن جرير وهو من السلف يقول بأن الصبح كان يؤذَّن لها قبل طلوع الفجر على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ودليله في ذلك حديث عبد الله بن مسعود الذي في الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يمنعن أحدكم أو أحداً منكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم ولِيُنَبِّهَ نائمكم، وليس أن يقول الفجر أو الصبح..))(2). وقد خالف الحافظ ابن حجر نفسه في موضع آخر من "الفتح" فقال (3): [وفي هذا الحديث جواز الأذان قبل طلوع الفجر]
وروى سَمُرَة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يغرنكم نداء بلال، ولا هذا البياض(4) حتى يبدو الفجر))(5). وفي رواية أخرى مُبَيِّنَة: ((لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا))(6). وهذا يبين أن ابن أم مكتوم لم يكن يؤذِّن على الدوام أو أن أذانه كان في رمضان فقط وهذا هو الصواب عندنا.
وعن حفصة أم المؤمنين قالت: كان إذا سكت (وفي رواية البخاري كان إذا اعتكف المؤذن..) المؤذن من الأذان لصلاة الصبح(7) وبدا الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة(8).
وفي بعض رواياته ((كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح))(9).
وهذا الحديث يثبت أن المؤذن كان يؤذن للصلاة ثم يسكت ويجلس ثم يطلع الفجر فإذا طلع الفجر صلى ركعتي السنة، وكل هذا يؤكد أن الأذان كان قبل طلوع الفجر.
ويؤكد هذا أيضاً ما رواه البخاري (626) عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سكت المؤذن بالأولى(10) من صلاة الفجر قام فركع ركعتين بعد أن يستبين الفجر ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة)).
وهذا يدل أيضاً على أنه في غير رمضان لم يكن إلا أذان واحد يقع قبل طلوع الفجر الصادق، ومحاولة ابن حجر تضعيف قول الحافظ ابن القطان الفاسي في عدم وجود أذان ثانٍ في غير رمضان وإثبات خطأ قوله وأن هناك أذانٍ ثانٍ في غير رمضان محاولة غير صحيحة وليس من ورائها طائل(11).
وأما ما جاء في بعض روايات حديث: ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم))(12).
وما وقع في بعض رواياته في الصحيحين من قول الراوي ((ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا))(13) فإن في ذلك إشكال فقد لا يصح! لأنه لا يمكن أن يتنبه النائم ويرجع القائم للسحور حتى يهيأ الطعام بين أن ينزل سيدنا بلال ويصعد ابن أم مكتوم رضي الله عنهما.
وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى ـ كما جاء في بعض الروايات في الصحيحين ـ لا يؤذن حتى يقال له: (أصبحت أصبحت)(14).
قال الحافظ في "الفتح" (2/100):
[قوله (أصبحت أصبحت) أي دخلت في الصباح، هذا ظاهره، واستشكل لأنه(15) جعل أذانه غاية للأكل، فلو لم يؤذن حتى يدخل في الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر والإجماع منعقد على خلافه إلا من شذَّ كالأعمش ... وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال...].
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في موضع آخر في "الفتح"(16) (2/105) أن الصبح إنما يؤذن لها قبل وقتها إذ قال:
[فإن قيل تقدم في تعريف الأذان الشرعي أنه إعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظٍ مخصوصة والأذان قبل الوقت ليس إعلاماً بالوقت.
فالجواب: أن الإعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلاماً بأنه دخل أو قارب أن يدخل، وإنما اختصت الصبح بذلك من بين الصلوات لأن الصلاة في أول وقتها مرغَّب فيه والصبح يأتي غالباً عقب نوم فناسب أن ينصَّب من يوقظ الناس قبل دخول وقتها ليتأهبوا ويدركوا فضيلة أول الوقت(17). والله أعلم].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) في "فتح الباري" (4/199) عند شرح الحديث رقم (1958).
(2) رواه البخاري (621) ومسلم (1093).
(3) وذلك في موضع آخر من الفتح وهو عند شرحه حديث (617) الفتح(2/100).
(4) يشير إلى الفجر الكاذب العمودي المعترض الذي هو كذنب السرحان كما جاء في بعض الروايات.
(5) رواه مسلم (1094/44).
(6) رواه مسلم قبل تلك الرواية السابقة.
(7) قال الحافظ ابن حجر في شرحه له في "الفتح" (2/101-102): [والحديث في الموطأ عند جميع رواته بلفظ ((كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح)) وكذا رواه مسلم وغيره وهو الصواب].
(8) رواه البخاري في الصحيح (618) وغيره.
(9) رواه مسلم (723).
(10) معنى الأولى هنا الأذان، ثم يثنى بالأقامة، ويسمى الأذان والإقامة الأذانين، والظاهر هنا أنه من تصرف الرواه فقد رواه مسلم (736) دون هذا اللفظ.
(11) وهذا دليل على صحة ما ذهب إليه الحافظ ابن القطان في أنه لم يكن هناك أذانين إلا في رمضان فقط كما نقله الحافظ عنه في "الفتح" (2/104) في شرح الحديث رقم (621) حيث قال: ((وادعى ابن القطان أن ذلك كان في رمضان خاصة (أي الأذانين) وفيه نظر)).
أقول: كلا هو الصحيح دليلاً وليس فيه نظر بل هو القول القوي وعكسه فيه نظر.
(12) رواه البخاري (617و622و623) ومسلم (1092).
(13) رواها مسلم وحده دون البخاري (1092/38).
(14) هي في البخاري (617) دون مسلم.
(15) أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال ((فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)).
(16) في شرح الحديث رقم (621) في البخاري.
(17) وهذا الكلام من الحافظ ابن حجر في التسويغ والتعذر عن سبب التأذين للفجر قبل وقتها، فلو كان هنا يعتبر أن هناك أذان أول قبل الوقت وأذان ثاني عند الوقت لما اقتضى هذا التسويغ والتعذر. وإلا لقال: هذا الأذان الذي كان يقوله سيدنا بلال هو الأذان الأول وقد أعلمهم أن الأذان الثاني هو أذان ابن أم مكتوم وهو الذي يقع عند طلوع الفجر. ولكنه لم يقل ذلك.
مناقشة الحافظ ابن حجر في اعتراضه على إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 187
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
