.
الأئمة الأشاعرة المنزهون لا يقلدون الأشعري:
كما أن السلفيين المعاصرين لا يقلدون أئمة السلف الثقات وإنما يقلدون ابن تيمية وابن عبد الوهاب وابن عثيمين والألباني ونحوهما من الخلف:
الأشاعرة وهم قسم من علماء أهل السنة المنزهين المحترمين لا يقلدون الأشعري ولا يوافقونه في قضية الصفات ولا يعتبرون ما في كتبه:
فليستوعب هذا المتمسلفون وغيرهم ولن ينفعهم الجدل بالباطل والتحريض الفاشل!
وإليكم نماذج من ذلك:
1- قال التاج السبكي في "الطبقات" (5/192) في ترجمة إمام الحرمين :
[والإمام لا يتقيد لا بالأشعري ولا بالشافعي ، لا سيما في البرهان ، وإنما يتكلم على حسب تأدية نظره واجتهاده ، وربما خالف الأشعري وأتى بعبارة عالية على عادة فصاحته ، تأدية نظره واجتهاده].
2- وقال الإمام الغزالي في كتابه "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" ص (39) :
[فإن زعم ـ صاحبك ـ أن حدَّ الكفر ما يخالف مذهب الأشعري أو مذهب المعتزلي أو الحنبلي أو غيرهم فاعلم أنه غر بليد ، قد قيَّده التقليد ، فهو أعمى من العميان ، فلا تضيِّع بإصلاحه الزمان...].
3- وقال الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي في "العواصم من القواصم" الطبعة الكاملة ص (55):
[إذا سمعت أني أشعري كيف حكمت بأني مقلِّد له في جميع قوله؟! وهل أنا إلا ناظر من النظار أدين بالاختيار، وأتصرَّف في الأصول بمقتضى الدليل].
4- الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى:
أ- قال الفخر الرازي رحمه الله تعالى في كتابه "الإشارة" ص (268) وفي طبعة أخرى ص (245 وما بعدها) (مُنْكِراً) على الأشعري والباقلاني إثباتهما (اليد) صفة مع علمه بأنهما ينفيان عنها معنى الجارحة:
[فإن قيل: فبم تنكرون على شيخكم أبي الحسن والقاضي حيث أثبتا اليدين صفتين لا تدركان إلا سمعاً زائدتين على الذات وما عداهما من الصفات؟ واحتجا عليه بأن قالا: صرّحت الآية بإثبات اليدين متعلقتين بخلق آدم عليه السلام تشريفاً له وتمييزاً عن سائر المخلوقات في قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}....
قلنا: الأصح حمل اليدين على القدرة، وقولهما: (إن فيه إبطال فائدة التخصيص) فنقول: التشريف يتحقق بتخصيص الله تعالى آدم بالذكر، كما شرّف عباده المخلَصين بإضافتهم إلى نفسه، وإن كانت الكفرة أيضاً عباد الله تعالى، وهذا سبيل تخصيص البيت والناقة وغيرهما من المشرفات بالإضافات، نحققه: وهو أنه تعالى ذكر قريباً من هذه الآية في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا}يس:71، والمراد به القدرة إجماعاً. والتمسك بصيغة التثنية باطل، لأنه كما يُعبَّر باليد عن الاقتدار يعبر باليدين عن كمال الاقتدار، بدليل قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}المائدة:64، والمراد به القدرة إجماعاً، فبطل ما ذكروه]. انتهى كلام الفخر الرازي رحمه الله تعالى.
ب- وقال الفخر الرازي في كتابه "أصول الدين" ص (68):
[المسألة التاسعة عشرة: أنه تعالى باق لذاته خلافاً للأشعري].
ج- وقال الفخر الرازي في ذلك الكتاب أيضاً ص (89):
[قال أبو الحسن الأشعري : الاستطاعة لا توجد إلا مع الفعل، وقالت المعتزلة: لا توجد إلا قبل الفعل، والمختار عندنا أن القدرة هي عبارة عن سلامة الأعضاء وعن المزاج المعتدل فإنها حاصلة قبل حصول الفعل....].
د- وقال الفخر الرَّازِي رحمه الله تعالى في كتابه "نهاية العقول" (4/272):
[أصحابنا اختلفوا في كثير من صفات الله تعالى، ولا شك أن الحق في كل مسألة منها واحد،... وإنما قلنا: إن أصحابنا اختلفوا في كثير من صفات الله تعالى، لأن أبا الحسن أثبت البقاء صفة زائدة، والقاضي نفاها.... واختلف الأصحاب أيضاً في الصفات الخبرية نحو اليد والوجه والعين، فزعم أبو الحسن أنها صفات قائمة بذات الله تعالى سوى الصفات الثمانية، والقاضي مال إلى نفيها. وزعم أبو الحسن أن الاستواء صفة قائمة بذات الله تعالى، وغيره نفاها. واتفق نفاة الأحوال من أصحابنا على أن عالمية الله تعالى نفسُ علمه، وقادريته نفس قدرته، ومريديته نفس إرادته،... فعلى هذا يكون مثبتو الأحوال منهم قد أثبتوا له تعالى مع الصفات السبع أو الثمانية أحوالاً سبعة أو ثمانية ونفاة الأحوال منهم نفوا هذه الأحوال. فقد تقرّر من مجموع ذلك شدةُ وقوع الاختلاف في صفات الله تعالى بين الأصحاب، ولا يجوز الالتفات إلى ما يُتَكَلَّفُ في إزالة هذه الاختلافات، فإن أمثال تلك التكلفات مما لا يعجز عنها أحد من أرباب المذاهب].
5- الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى وليس بأشعري:
أ- قال الحافظ ابن الجوزي رحمه الله في تاريخه "المنتظم" (4/172):
[الأشعري المتكلم.. تشاغل بالكلام، وكان على مذهب المعتزلة زماناً طويلاً، ثم عَنَّ له مخالفتهم، وأظهر مقالة خبطت عقائد الناس وأوجبت الفتن المتصلة..].
ب- وقال الحافظ ابن الجوزي أيضاً في "تلبيس إبليس" ص (118):
[وكان أبو الحسن الأشعري على مذهب الجبائي ثم انفرد عنه إلى مثبتي الصفات. ثم أخذ بعض مثبتي الصفات في اعتقاد التشبيه وإثبات الانتقال في النزول... ].
6- الإمام السبكي رحمه الله تعالى يقول في قصيدته النونية:
[والأشعري إمامنا لكننا /// في ذا نخالفه بكل لسان].
ثم يقول فيها:
[والأشعرية بينهم خلف إذا/// عُدَّت مسائله على الإنسان
بلغت مئين وكلهم ذو سنة/// أخذت عن المبعوث من عدنان].
7- الإمام المحدّث الكوثري رحمه الله تعالى:
ذكر الشيخ العلامة الكوثري رحمه الله تعالى في مقدمة "تبيين كذب المفتري" أن أولى الناس بالأشعري الحنابلة حيث قال هناك ص (16) :
[وفقهاء المذاهب يتجاذبون الأشعري إلى مذاهبهم ويترجمونه في طبقاتهم والحنابلة أحق بذلك ؛ حيث يصرِّح الأشعري في مناظراته معهم أنه على
مذهب أحمد..].
وهنا نقاط مهمة يجب التنبه لها:
الأولى: استغل الوهابية السلفيون - الذين لا ينتمون حقيقة للسلف - ما يقوله أبو الحسن الأشعري في الصفات مما خالفه فيها الأشاعرة! وصاروا يدعون الناس إلى كتب أبي الحسن الأشعري ويتمترسون خلف أقواله المردودة لتضليل الناس وجرهم إلى ما يريدون من عقائد التشبيه والتجسيم، وفي بعض البلدان أسسوا مراكز سموها (مركز أبي الحسن الأشعري وكتابه الإبانة) أو دون أن يذكروا "الإبانة" إلى غير ذلك من طرق الخدع والتضليل. فلنحذر من ذلك وننتبه له.
الثانية: أئمة السلف حتى الصحابة رضي الله عنهم منهم بينهم اختلاف في مسائل العقائد، وقد مَثَّلْت على ذلك بعدة قضايا في مقدمة شرحي للعقيدة الطحاوية، وبينهم أيضاً خلاف في الفقه وفي تصحيح الأحاديث وتضعيفها، كما اختلفوا في تفسير بعض آيات القرآن الكريم، إذاً السلف ليسوا مذهباً واحداً، بل هناك مذاهب كثيرة وآراء عديدة.
مثاله: السيدة عائشة رضوان الله تعالى عليها تنكر على من قال إن سيدنا رسول الله رأى ربه، وإن الميت يعذّب ببكاء أهله عليه، وغير ذلك.
فمن قال أنا على مذهب السلف لم يصدق، أو هو تائه يقول شيئاً لا يفهمه.
فكما أن بين السلف اختلافا كذلك بين علماء الأشعرية اختلاف حسب الاجتهاد لكل منهم والنظر.
وأختم بقول القَرَافي (ت684) رحمه الله تعالى حيث يقول في "نفائس الأصول في شرح المحصول" (5/1953):
[..العلوم ليست تقليدية، ولا يجمد فيها على حالة واحدة طول عمره، إلا جامد العقل، فاتر الذهن، قليل الفكرة، فاتر الفطنة، إلا في الأمور الجليلة جداً؛ فإنها لا تتغير عند العقلاء، وليس هذا منها، بل هذا من مجال النظر، وموارد التغير، فهذا الاختلاف مما يدل على وفور علم الإمام وجودة عقله ودينه، أما عقله وعلمه، فإنه دائم أبداً فى النظر والنقل، طالب للازدياد والتحصيل والوصول إلى غاية بعد غاية، وكشف حقيقة بعد حقيقة؛ فيظهر له دائماً خلاف ما ظهر له أولاً، وكذلك قال عمر في المشتركة: "ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي" ورجع عما أفتى به أولاً، ولم يزل العلماء على ذلك قديماً وحديثاً. وأما وفور دينه: فلأنه إذا ظهر رجحان شيء، رجع إليه، ولا يخشى أن يقال: غلط أولاً، ثم رجع للحق، بل يقول الحق متى ما ظهر له، ولا يكترث بمن يعتب عليه للاختيار الأول، وهذا عائد الدين، وصلابة الهمة، فهذا بأن يُشْكَرَ به الإمام أولى وأحرى، وأن يجعل من صفات كماله، لا من صفات نقصانه].
والحمد لله رب العالمين.
ملاحظة: الذين لا يتقنون إلا السباب والشتم والبهتان واختراع القصص الخيالية الفارغة لا محل لهم هنا وستشطب وتحذف تعليقاتهم، وخاصة من يقفزون إلى مواضيع أخرى، من المتكبرين والمتعالين والمتفصحنين والمتفلسفين والمتنطعين الذين ليس لديهم خلق ولا أدب.
منقول من صفحة حسن بن علي السقاف على الفيسبوك
الأئمة الأشاعرة المنزهون لا يقلدون الأشعري
الفرق والمذاهب وما يتعلق بها
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 211
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
العودة إلى ”الفرق والمذاهب وما يتعلق بها“
الانتقال إلى
- القرآن الكريم وتفسيره
- ↲ تفسير آية أو آيات كريمة
- ↲ أبحاث في التفسير وعلوم القرآن الكريم
- الحديث النبوي الشريف وعلومه
- ↲ قواعد المصطلح وعلوم الحديث
- ↲ تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها
- ↲ شرح الحديث
- ↲ التراجم والرجال: الصحابة والعلماء وغيرهم
- ↲ أحاديث العقائد
- العقائد والتوحيد والإيمان
- ↲ القواعد والأصول العقائدية
- ↲ مسائل وقضايا التوحيد والإيمان
- ↲ أقوال لأئمة وعلماء ومشايخ في العقيدة ومدى صحتها عنهم
- ↲ قضايا ومسائل لغوية تتعلق بالعقائد
- ↲ الفرق والمذاهب وما يتعلق بها
- ↲ عرض عقائد المجسمة والمشبهة والرد عليها
- التاريخ والسيرة والتراجم
- ↲ السيرة النبوية
- ↲ قضايا تاريخية
- ↲ سير أعلام مرتبطة بالتاريخ والأحداث السياسية الغابرة
- ↲ معاوية والأمويون والعباسيون
- الفكر والمنهج والردود
- ↲ توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ
- ↲ الردود على المخالفين
- ↲ مناهضة الفكر التكفيري والرد على منهجهم وأفكارهم
- ↲ أسئلة وأجوبة عامة
- الفقه وأصوله
- ↲ القواعد الأصولية الفقهية
- ↲ مسائل فقهية عامة
- ↲ المذهب الحنفي
- ↲ المذهب المالكي
- ↲ المذهب الشافعي
- ↲ المذهب الحنبلي
- علوم اللغة العربية
- ↲ النحو والصرف
- ↲ مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
- الكتب الإلكترونية
- ↲ كتب العلامة المحدث الكوثري
- ↲ كتب السادة المحدثين الغماريين
- ↲ كتب السيد المحدث حسن السقاف
- ↲ كتب مجموعة من العلماء
- المرئيات
- ↲ العقيدة والتوحيد: شرح متن العقيدة والتوحيد
