من المسائل اللغوية المبتدعة : الاستثناء من غير جنس الشيء

مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 228
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

من المسائل اللغوية المبتدعة : الاستثناء من غير جنس الشيء

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

من المسائل اللغوية المبتدعة
المسألة التاسعة :
الاستثناء من غير جنس الشيء


منقول من كتاب القواعد اللغوية المبتدعة

زعم قوم أنه لا يجوز الاستثناء من غير جنس الشيء ، وذهبت هذه المقالة بهم إلى القول بأن إبليس كان من الملائكة قبل أن يطرده الله تعالى من رحمته .

قال القاضي بدر الدين الشبلي الحنفي(1) في كتاب (( آكام المرجان في أحكام الجان )) (ص 184) : [ قال أبو الوفا علي بن عقيل في كتاب (( الإرشاد )) : إن قيل لك إبليس كان من الملائكة أم لا ؟ فقل : من الملائكة خلافاً لبعض أصحابنا . وبهذا قال أبو بكر عبد العزيز ، لأن الباري سبحانه قال : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس }(البقرة/34) . والاستثناء لا يكون من غير الجنس ] .

قلت : الاستثناء من غير جنس المستثنى منه مشهور معلوم عند أهل اللسان العربي ، تداولوه وتناقلوه وكتبوا فيه وأثبتوه ، ويسميه بعض أهل اللغة ( الاستثناء المنقطع )(2) ، وقد جاء منه الكثير في كتاب الله تعالى ، ومنه :
1) قوله تعالى : { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن }(النساء/157) ، فاتباع الظن ليس علماً ولذلك ، قال القرطبي في (( تفسيره )) (6/9) : [ ثم قال جل وعز : { إلا اتباع الظن } استثناء ليس من الأول ] .

2) قوله تعالى : { فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين } (يونس/98) . قال الإمام الرازي في تفسير هذه الآية : [ وظاهر اللفظ يقتضي استثناء قوم يونس من القرى ، إلا أن المعنى استثناء قوم يونس من أهل القرى ، وهو استثناء منقطع بمعنى ولكن قوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا ] .

3) وقال تعالى : { لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً }(مريم/62) ، والسلام ليس من جنس اللغو ، ولذلك قال الطبري في تفسير هذه الآية في (( تفسيره )) (16/102) : [ لا يسمع هؤلاء الذين يدخلون الجنة فيها لغواً وهو الهذي والباطل من القول والكلام ، إلا سلاماً . وهذا من الاستثناء المنقطع ، ومعناه : ولكن يسمعون سلاماً وهو تحية الملائكة إياهم ] .

قال أبو عبيدة في (( مجاز القرآن )) : [ فالسلام ليس من اللغو ، والعرب تستثني الشيء بعد الشيء وليس منه وذلك أنها تضمر فيه ، فكان مجازه : لا يسمعون فيها لغواً إلا أنهم يسمعون سلاماً ، قال(3) :
يا بَن رُقَيعٍ هل لها من مَغْبَقِ ...... ما شَرِبتْ بعد طَوِيِّ الكُرْبَقِ(4)
من قَطرةٍ غير النَّجاءِ الأدْفقِ(5)
فاستثنى النجاء من قطرة الماء وليس منها .

قال أبو جندب الهذلي(6) :
نَجا سالمٌ والنفسُ منه بشِدْقه ...... ولم بنَجْ إلاّ جفْنُ سَيفِ ومئزَرا(7)
وليسا منه(8) ] .

4) قال تعالى : { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون }(البقرة/78) ، قال القرطبي في (( تفسيره )) (2/5) : [ ( إلا ) هاهنا بمعنى لكن ، فهو استثناء منقطع كقوله تعالى : { وما لهم به من علم إلا أتباع الظن } ، وقال النابغة :
حَلَفتُ يَميناً غَيرَ ذي مَثنَوِيَّةٍ ...... وَلا عِلمَ إِلا حُسنُ ظَنٍّ بِصاحِبِ(9) ] .
والشاهد في قول النابغة أن حسن الظن ليس من جنس العلم ومع ذلك فقد استثناه منه !(10)

5) وقال تعالى : { ياأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم }(النساء/29) ، قال القرطبي في (( تفسيره )) (5/151) : [ هذا استثناء منقطع ، أي : ولكن تجارة عن تراض ، والتجارة هي البيع والشراء ] .

6) وقال تعالى : { وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ }(يس/43-44) ، قال ابن كثير في (( تفسيره )) (3/574) : [ وهذا استثناء منقطع تقديره ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر ونسلمكم إلى أجل مسمى ، ولهذا قال تعالى : { ومتاعا إلى حين } ، أي إلى وقت معلوم ] ، وقد احتج سيبويه بهذه الآية الكريمة في (( الكتاب )) (2/322) على الاستثناء المنقطع .

7) ومما جاء من أمثال العرب قولهم :
لاَ يُحْسْنُ العَبْدُ الكَرَّ إلاَ الحَلْبَ والصَّرّ(11)

قال الميداني في (( مجمع الأمثال )) (2/244) : [ يُقال : إن شداداً العبسي قال لابنه عنترة في يوم لقاء ورآه يتقاعس عن الحرب وقد حميت فقال : كر عنتر ، فقال عنترة : لا يحسن العبد الكر إلا الحلب والصر ، وكانت أمه حبشية فكان أبوه كأنه يستخف به لذلك ، فلما قال عنترة : لا يحسن العبد الكر ، قال له : كر وقد زوجتك عبلة ، فكر وأبلى ووفى له أبوه بذلك فزوجه عبلة ، والصرّ : شد
الصرار ، وهو خيط يشد فوق الخلف والتودية لئلا يرضع الفصيل أمه ، ونصب الحلب على أنه استثناء منقطع كأنه قال : لا يحسن العبد الكر ، لكن الحلب والصر يحسنهما ، يضرب لمن يكلف ما لا يطيق ] .

8) وقال النابغة الذبياني في معلقته(12) :
وَقَفتُ فيها أُصَيلاناً أُسائِلُها ...... إِلا الأَوارِيَّ لأياً ما أُبَيِّنُها
عَيَّت جَواباً وَما بِالرَبعِ مِن أَحَدِ ...... وَالنؤيَ كالحَوضِ بِالمَظلومةِ لجَلَدِ(13)
فالشاعر ههنا استثنى الأواري - وهي محابس الإبل – ممن سكن الربع وهي ليست من جنسه.

9) وقال العجاج(14) :
وبلدة ليس بها طوري .....ولا خلا الجن بها إنسي(15)
فالشاعر استثنى الجن من الإنسي ، وجنس كل منهما مغاير للآخر .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) هو القاضي بدر الدين محمد بن عبد الله الشبلي الدمشقي ثم الطرابلسي الحنفي ولد سنة 712 هـ ، وتوفي سنة 769 هـ ، ترجمه ابن حجر في (( الدرر الكامنة )) (5/234) ، وقال عنه الذهبي في (( المعجم المختص )) (ص 237) : [ الفقيه العالم المحدث بدر الدين أبو البقاء الشبلي ... من نبهاء الطلبة وفضلاء الشباب سمع الكثير وعني بالرواية وقرأ على الشيوخ ] .
(2) قال ابن مالك في (( الألفيته )) في باب الاستثناء :
مَا اسْتَثْنَتْ إلاَّ مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ ..... إِتْبَاعُ مَا اتَّصلَ وَانْصبْ ما انْقَطَعْ
وَبَعْدَ نَفْي أَوْ كَنَفْي انْتُخِبْ ..... وَعَنْ تَمِيم فِيْهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ
(3) القائل هو سالِمِ بنِ قَحطان ، وقِيل : عَبْد اللهِ بنِ قُحْفانَ بنِ أَبي قُحْفانَ العَنبريِّ ، وذلك كما في (( تاج العروس )) في مادة ( ر ق ع ) ، وهذا الرجز من شواهد (( الكتاب )) (4/306) ، وذكره ابن دريد في كتابه (( جمهرة اللغة )) في مادة ( ر ع ق ) ، وأيضاً ابن منظور في (( لسان العرب )) (10/322) .
(4) الغبق : شرب العشي ، والطوى : البئر المطوية بالحجارة ، والكربق : اسم لمدينة البصرة
(5) قال صاحب (( لسان العرب )) (10/322) : [ والظاهر من البيت عندي أنه يريد بالنَّجاء الأدفق : السير الشديد ]
(6) هو حذيفة بن أنس الهذلي ، عاش في الجاهلية وصدر الإسلام .
(7) ذكره الزبيدي في (( تاج العروس )) في باب ( ن ف س ) ، وابن منظور في (( لسان العرب )) في مادة ( نجا ) و (جفن ) و ( نفس ) ، والصاغاني في (( العباب الزاخر )) في مادة ( نفس ) ، وابن سيده في (( المحكم والمحيط الأعظم )) في باب ( مقلوبة ن ج و ) ، وابن دريد في (( جمهرة اللغة )) باب ( ما يتكلم به بالصفة ) ، وانظر (( مجمع الأمثال )) (2/69) للميداني ( ت 518 هـ ) .
(8) لأن الشاعر استثنى الجفن والمئزر وليسا من سالم .
(9) هذا البيت من شواهد سيبويه في (( الكتاب )) (2/322) ، وقد أورده سيبويه ضمن شواهد عدة تحت عنوان ( هذا باب يختار فيه النصب لأن الآخر ليس من نوع الأول ) .
(10) من الجلي الواضح هنا أن الظن يخالف العلم كما يظهر من السياق وعليه فاحتجاجنا في موضعه ومكانه ولا غبار عليه ، إلا أنه يجدر التنبيه إلى أن الظن قد يأتي بمعنى العلم مجازاً خلافاً لما ذكره أبو حيان في (( الارتشاف )) (3/58) بقوله : [ وذهب الأستاذ أبو بكر محمد بن ميمون في كتابه المسمى (( نقع الغلل )) إلى أن الظن بمعنى العلم غير مشهور في لسان العرب ، ولا معول عليه في حكاية من حكاه عن العرب وتأول ما أوهم ظاهره ورود ذلك ] .
قلت : بل قد جاء في كتاب الله ما يدل على أن الظن قد يراد به العلم واليقين ، كقوله تعالى : { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }(البقرة/46). قال الطبربي في (( تفسيره )) (1/262) : [ قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : وكيف أخبر الله جل ثناؤه عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة أنه يظن أنه ملاقيه ؟ والظن شك ، والشاك في لقاء الله عندك بالله كافر ! قيل له : إن العرب قد تسمي اليقين ظناً والشك ظناً نظير تسميتهم الظلمة سدفة والضياء سدفة والمغيث صارخاً والمستغيث صارخاً وما أشبه ذلك من الأسماء التي تسمي بها الشيء وضده . ومما يدل على أنه يسمى به اليقين قول دريد بن الصمة :
فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنَّوا بألْفَيْ مدَجَّج سرَاتُهم في الْفَارِسيّ الْمسَرَّد
يعني بذلك تيقنوا ألفي مدجج تأتيكم .
وقول عميرة بن طارق :
بأَن تَغْتَزُوا قَوْمي وأَقعدَ فيكُم ...... وأَجْعَلَ مِنِّي الظَّنَّ غَيْباً مُرَجَّما
يعني وأجعل مني اليقين غيباً مرجماً ، والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصى وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية. ومنه قول الله جل ثناؤه : { ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها} ] .
(11) ذكره أبو عبيدة في (( الديباج )) ، وأبو هلال العسكري في (( ديوان المعاني )) .
(12) انظر (( شرح المعلقات العشر )) للقاضي أبو عبد الله الزوزني (ص 292) ، وأنشد هذين اليتين سيبويه في (( الكتاب )) (2/321) ، وذكر أن أهل الحجاز ينصبون ( الأواريّ ) ، وذلك على الاستثناء المنقطع .
(13) قال البغدادي في (( خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب )) : [ وقوله : (( وقفت فيها )) البيتين ، وصف أن دار ميّة خلت من أهلها ، فسألها توجّعاً تذكراً لمن حلّ بها فلم تجبه ، إذ لا مجيب بها ولا أحد فيها إلاّ الأواريّ : وهي محابس الخيل واحدها آريّ ، وهو من تأرّيت بالمكان إذا تحسّبت به ، واللأي : البطء ، والمعنى : تبيّنتها بعد بطء لتغيّرها ، والنّؤي : حاجز حول الخباء يدفع عنه الماء ويبعده وهو من نأيت إذا بعددت ، وشبّهه في استدارته بالحوض ، والمظلومة : أرض حفر فيها الحوض لغير إقامة لأنّها في فلاة فظلمت بذلك ، وإنّما أراد أنّ حفر الحوض لم يعمق فذلك أشبه للنّؤي ، ولذلك جعلها جلداً وهي الصّلبة ] .
(14) هو عبد الله بن رؤبة وكنيته أبو الشعثاء ، شاعر مخضرم ، لقي أبا هريرة وسمع منه أحاديث ، ترجمه ابن حجر في (( الإصابة )) (5/87) وقال عنه : [ ذكره المرزباني في (( معجم الشعراء )) ، وقال : ولد في الجاهلية ، وقال أبو عبيدة : كان في الجاهلية يرجز وعاش إلى خلافة الوليد بن عبد الملك وأنكر ذلك بن شبة ، وللعجاج رواية عن أبي هريرة ، قال المرزباني : هو أول من رفع الرجز وجعل له أوائل وشبهه بالقصيدة ] .
(15) أنشده ابن منظور في (( لسان العرب )) (6/14) ونسبه إلى العجاج ، وذكره الزبيدي في (( تاج العروس )) .
أضف رد جديد

العودة إلى ”مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات“