من المسائل اللغوية المبتدعة : ادعاؤهم أن ( ثم ) لا تكون إلا بمعنى التعقيب
مرسل: الأربعاء سبتمبر 30, 2026 9:26 am
من المسائل اللغوية المبتدعة
المسألة الرابعة عشرة :
ادعاؤهم أن ( ثم ) لا تكون إلا بمعنى التعقيب
منقول من كتاب القواعد اللغوية المبتدعة
قال صاحب كتاب (( الرحمن على العرش استوى )) (ص90) : [ ثم إن العرب لا تدخل حرف العطف ( ثم ) إلا بمعنى التعقيب الزمني على التراخي ، ومعنى قولهم : ( استوى بمعنى استولى وقهر وملك ) أنه لم يكن قبل ذلك كذلك ].
قلت : خالف قوم في اقتضاء ( ثم ) التعقيب والتراخي أو ما يُعبّر عنهما بالترتيب والمهلة .
أما الترتيب ، فقد قال ابن هشام في (( مغني اللبيب )) (1/135) : [ وأما الترتيب فخالف قومٌ في اقتضائها إياه ، تمسّكاً بقوله تعالى : {خلقكم من نفسٍ واحدة ، ثمّ جعل منها زوجها }(1)(الزمر/6) ، { وبدأ خلقَ الإنسان من طينٍ ، ثم جعلَ نسلهُ من سلالةٍ من ماءٍ مهينٍ ، ثمّ سوّاهُ ونفخَ فيه من رُوحه }(2) (السجدة/6-9) ، { ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتّقُون ، ثمّ آتينا موسى الكتابَ }(3) (الأنعام/153-154) ، وقول الشاعر(4) :
إنّ من سادَ ثُمَّ سادَ أبوهُ .....ثمّ قد سادَ قبلَ ذلكَ جدُّه(5) ] .
وقال ابن فارس في كتابه (( الصاحبي )) : [ وتكون ( ثُمَّ ) بمعنى ( واو عطف ) ، قال الله جلّ ذِكرهُ : { فإلينا مرْجِعُهم ثُمَّ الله شهيد عَلَى مَا يفعلون } ، أي وهو شهيد ... وأنشد قطرب(6) أن ( ثُمَّ ) بمعنى ( الواو ) :
سألت ربيعةَ مَن خَيرُها .....أباً ثُمَّ أمّاً فقالت لِمَهْ(7) ]
وقال المرادي(8) في (( الجنى الداني في حروف المعاني )) في باب ( ثم ) : [ وذهب الفراء(9) ، فيما حكاه عنه السيرافي(10) ، والأخفش(11) ، وقطرب ، فيما حكاه أبو محمد عبد المنعم بن الفرس في مسائله الخلافيات عنه ، إلى أن ( ثم ) بمنزلة ( الواو ) ، لا ترتب ] .
وفي (( مغني اللبيب )) (1/136) أيضاً : [ وأما المُهلة فزعم الفراء أنها قد تتخلّفُ ، بدليل قولك : (( أعجبني ما صنعتَ اليومَ ثمّ ما صنعتَ أمسِ(12) أعجبُ )) ، لأن ثم في ذلك لترتيب الإخبار ، ولا تراخي بين الإخبارين ، وجعل منه ابن مالك : { ثمَّ آتينا موسى الكتابَ }(الأنعام/154) ] .
[ تكملة ] : قال الأشموني(13) في شرحه عل الألفية كما في (( حاشية الصبان )) (3/140) : [ زعم الأخفش والكوفيون أن ( ثم ) تقع زائدة فلا تكون عاطفة البتة وحملوا على ذلك قوله تعالى: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا}(التوبة/118) ، جعلوا تاب عليهم هو الجواب و ( ثم ) زائدة ] .
[ توضيح ] : على خلاف ما ذهب إليه النحويون من كون ( ثم ) قد تأتي بمعنى ( الواو ) أو أن تكون زائدة أو أن تفيد الترتيب في الإخبار لا في حقيقة المعنى(14) ، إلا أن أقوالهم جميعاً تتجه إلى أن الترتيب الزمني لـ ( ثم ) لا يلزم منها ضرورة ، وهذا ما أردنا بيانه والتدليل عليه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) المراد بالنفس الواحدة سيدنا آدم عليه السلام ، وقد خَلَقَنا الله تعالى بعد أن جعل منها زوجها ، وبذلك لم تفد ثم الترتيب الزماني .
(2) فالله تعالى جعل نسل الإنسان من سلالة من ماء مهين بعد أن سوى ونفخ الروح في سيدنا آدم ، ومن أصر على أن ( ثم ) تفيد الترتيب الزماني في الآية الكريمة صار إلى القول أن الله خلقنا قبل أن يخلق سيدنا آدم !!
(3) قال القرطبي في (( تفسيره )) (7/143) : [ ثم قيل : ( ثم ) يدل على أن الثاني بعد الأول ، وقصة موسى صلى الله عليه وسلم وإتيانه الكتاب قبل هذا ، فقيل : ( ثم ) بمعنى
الواو ، أي وآتينا موسى الكتاب ] .
(4) هو أبو نواس الحسن بن هانئ ، وقد أنشد هذا البيت في مدح العباس بن عبيد الله بن أبي جعفر ، انظر الشاهد التسعين بعد الثمانمائة من (( خزانة الأدب )) للبغدادي .
(5) انظر شرح الرضى على (( الكافية )) (4/390) ، وكذلك (( حاشية الصبان على شرح الأشموني )) (3/139) ، و (( الجنى الداني )) للمرادي ، باب ( ثم ) . ولا يمكن حمل ( ثم ) في هذا البيت من الشعر على الترتيب الزمني لأن سيادة الجد لا يمكن أن تكون بعد سيادة الأب ، وسيادة الأب بعد سيادة الابن ! فتأمل !!
(6) قال الخطيب في (( تاريخ بغداد )) (3/298) : [ محمد بن المستنير أبو على البصري المعروف بقطرب ، أحد العلماء بالنحو واللغة أخذ عن سيبويه وعن جماعة من علماء
البصريين ، ويقال أن سيبويه لقبة قطرباً لمباكرته إياه في الأسحار ، قال له يوماً : ما أنت إلا قطرب ليل ، والقطرب دويبه تدب ولا تفتر نزل قطرب بغداد وسمع منه بها أشياء من تصانيفه وروى عنه محمد بن الجهم السمري وكان موثقاً فيما يحكيه وبلغني أنه مات في سنة ست ومائتين ] .
(7) ذكره صاحب (( الأغاني )) (11/268) ، ونسبه للأُقيشر الأسدي ( شاعر مخضرم توفي عام 80 هـ ) ، وبقوله ( شرها ) بدلاً من ( خيرها ) .
(8) هو ابن أم قاسم الحسن بن قاسم بن عبد الله المرادي ، مفسر وأديب ، توفي سنة 749 هـ ، ترجمه الزركلي في (( الأعلام )) (2/211) .
(9) توفي سنة 207 هـ وله ثلاث وستون سنة ، ترجمته في (( سير أعلام النبلاء )) (10/118) .
(10) قال الذهبي في (( سير أعلام النبلاء )) (16/247) : [ العلامة إمام النحو أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي صاحب التصانيف ونحوي بغداد ... وكان أبو سعيد صاحب فنون من أعيان الحنفية رأساً في نحو البصريين تصدر لإقراء القراءات واللغة والفقه والفرائض والعربية والعروض ... وكان ديناً متورعاً لا يأكل إلا من كسب يده ...قال ابن أبي الفوارس كان يذكر عنه الاعتزال ولم يظهر منه وقد جود شرح كتاب سيبويه ... عاش أربعاً وثمانين سنة ومات في رجب سنة ثمان وستين وثلاث مئة ] .
(11) هو الأخفش الأوسط تلميذ سيبويه ، توفي سنة 215 هـ . وكان معتزلياً كما ذكر الفيروزآبادي في ترجمته في (( البلغة )) ص (105) .
[ فائدة ] : قال السيوطي في (( المزهر )) (2/388) : [ وحيث أطلق في كتب النحو الأخفش فهو الأوسط ، فإن أريد الأكبر أو الأصغر قيّدوه ] .
(12) قال ابن منظور في (( لسان العرب )) (6/8) : [ أَمْسِ : من ظروف الزمان مبنـي علـى
الكسر ، إِلا أَن ينكر أَو يعرَّف ] .
(13) هو علي بن محمد الأشموني ، نحوي من فقهاء الشافعية ، توفي في حدود (920-930 هـ ) ، ترجمته في (( الأعلام )) (5/10) ، وفي (( الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة )) (1/284).
(14) كما تقول : أنا مسافر غداً ، ثم إني اليوم قاصد إلى زيد ، فالترتيب هنا ترتيب في الخبر لا في السفر والقصد إلى زيد . انظر (( شرح عيون الإعراب )) (ص250) للإمام أبي الحسن المجاشعي .
المسألة الرابعة عشرة :
ادعاؤهم أن ( ثم ) لا تكون إلا بمعنى التعقيب
منقول من كتاب القواعد اللغوية المبتدعة
قال صاحب كتاب (( الرحمن على العرش استوى )) (ص90) : [ ثم إن العرب لا تدخل حرف العطف ( ثم ) إلا بمعنى التعقيب الزمني على التراخي ، ومعنى قولهم : ( استوى بمعنى استولى وقهر وملك ) أنه لم يكن قبل ذلك كذلك ].
قلت : خالف قوم في اقتضاء ( ثم ) التعقيب والتراخي أو ما يُعبّر عنهما بالترتيب والمهلة .
أما الترتيب ، فقد قال ابن هشام في (( مغني اللبيب )) (1/135) : [ وأما الترتيب فخالف قومٌ في اقتضائها إياه ، تمسّكاً بقوله تعالى : {خلقكم من نفسٍ واحدة ، ثمّ جعل منها زوجها }(1)(الزمر/6) ، { وبدأ خلقَ الإنسان من طينٍ ، ثم جعلَ نسلهُ من سلالةٍ من ماءٍ مهينٍ ، ثمّ سوّاهُ ونفخَ فيه من رُوحه }(2) (السجدة/6-9) ، { ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتّقُون ، ثمّ آتينا موسى الكتابَ }(3) (الأنعام/153-154) ، وقول الشاعر(4) :
إنّ من سادَ ثُمَّ سادَ أبوهُ .....ثمّ قد سادَ قبلَ ذلكَ جدُّه(5) ] .
وقال ابن فارس في كتابه (( الصاحبي )) : [ وتكون ( ثُمَّ ) بمعنى ( واو عطف ) ، قال الله جلّ ذِكرهُ : { فإلينا مرْجِعُهم ثُمَّ الله شهيد عَلَى مَا يفعلون } ، أي وهو شهيد ... وأنشد قطرب(6) أن ( ثُمَّ ) بمعنى ( الواو ) :
سألت ربيعةَ مَن خَيرُها .....أباً ثُمَّ أمّاً فقالت لِمَهْ(7) ]
وقال المرادي(8) في (( الجنى الداني في حروف المعاني )) في باب ( ثم ) : [ وذهب الفراء(9) ، فيما حكاه عنه السيرافي(10) ، والأخفش(11) ، وقطرب ، فيما حكاه أبو محمد عبد المنعم بن الفرس في مسائله الخلافيات عنه ، إلى أن ( ثم ) بمنزلة ( الواو ) ، لا ترتب ] .
وفي (( مغني اللبيب )) (1/136) أيضاً : [ وأما المُهلة فزعم الفراء أنها قد تتخلّفُ ، بدليل قولك : (( أعجبني ما صنعتَ اليومَ ثمّ ما صنعتَ أمسِ(12) أعجبُ )) ، لأن ثم في ذلك لترتيب الإخبار ، ولا تراخي بين الإخبارين ، وجعل منه ابن مالك : { ثمَّ آتينا موسى الكتابَ }(الأنعام/154) ] .
[ تكملة ] : قال الأشموني(13) في شرحه عل الألفية كما في (( حاشية الصبان )) (3/140) : [ زعم الأخفش والكوفيون أن ( ثم ) تقع زائدة فلا تكون عاطفة البتة وحملوا على ذلك قوله تعالى: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا}(التوبة/118) ، جعلوا تاب عليهم هو الجواب و ( ثم ) زائدة ] .
[ توضيح ] : على خلاف ما ذهب إليه النحويون من كون ( ثم ) قد تأتي بمعنى ( الواو ) أو أن تكون زائدة أو أن تفيد الترتيب في الإخبار لا في حقيقة المعنى(14) ، إلا أن أقوالهم جميعاً تتجه إلى أن الترتيب الزمني لـ ( ثم ) لا يلزم منها ضرورة ، وهذا ما أردنا بيانه والتدليل عليه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) المراد بالنفس الواحدة سيدنا آدم عليه السلام ، وقد خَلَقَنا الله تعالى بعد أن جعل منها زوجها ، وبذلك لم تفد ثم الترتيب الزماني .
(2) فالله تعالى جعل نسل الإنسان من سلالة من ماء مهين بعد أن سوى ونفخ الروح في سيدنا آدم ، ومن أصر على أن ( ثم ) تفيد الترتيب الزماني في الآية الكريمة صار إلى القول أن الله خلقنا قبل أن يخلق سيدنا آدم !!
(3) قال القرطبي في (( تفسيره )) (7/143) : [ ثم قيل : ( ثم ) يدل على أن الثاني بعد الأول ، وقصة موسى صلى الله عليه وسلم وإتيانه الكتاب قبل هذا ، فقيل : ( ثم ) بمعنى
الواو ، أي وآتينا موسى الكتاب ] .
(4) هو أبو نواس الحسن بن هانئ ، وقد أنشد هذا البيت في مدح العباس بن عبيد الله بن أبي جعفر ، انظر الشاهد التسعين بعد الثمانمائة من (( خزانة الأدب )) للبغدادي .
(5) انظر شرح الرضى على (( الكافية )) (4/390) ، وكذلك (( حاشية الصبان على شرح الأشموني )) (3/139) ، و (( الجنى الداني )) للمرادي ، باب ( ثم ) . ولا يمكن حمل ( ثم ) في هذا البيت من الشعر على الترتيب الزمني لأن سيادة الجد لا يمكن أن تكون بعد سيادة الأب ، وسيادة الأب بعد سيادة الابن ! فتأمل !!
(6) قال الخطيب في (( تاريخ بغداد )) (3/298) : [ محمد بن المستنير أبو على البصري المعروف بقطرب ، أحد العلماء بالنحو واللغة أخذ عن سيبويه وعن جماعة من علماء
البصريين ، ويقال أن سيبويه لقبة قطرباً لمباكرته إياه في الأسحار ، قال له يوماً : ما أنت إلا قطرب ليل ، والقطرب دويبه تدب ولا تفتر نزل قطرب بغداد وسمع منه بها أشياء من تصانيفه وروى عنه محمد بن الجهم السمري وكان موثقاً فيما يحكيه وبلغني أنه مات في سنة ست ومائتين ] .
(7) ذكره صاحب (( الأغاني )) (11/268) ، ونسبه للأُقيشر الأسدي ( شاعر مخضرم توفي عام 80 هـ ) ، وبقوله ( شرها ) بدلاً من ( خيرها ) .
(8) هو ابن أم قاسم الحسن بن قاسم بن عبد الله المرادي ، مفسر وأديب ، توفي سنة 749 هـ ، ترجمه الزركلي في (( الأعلام )) (2/211) .
(9) توفي سنة 207 هـ وله ثلاث وستون سنة ، ترجمته في (( سير أعلام النبلاء )) (10/118) .
(10) قال الذهبي في (( سير أعلام النبلاء )) (16/247) : [ العلامة إمام النحو أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي صاحب التصانيف ونحوي بغداد ... وكان أبو سعيد صاحب فنون من أعيان الحنفية رأساً في نحو البصريين تصدر لإقراء القراءات واللغة والفقه والفرائض والعربية والعروض ... وكان ديناً متورعاً لا يأكل إلا من كسب يده ...قال ابن أبي الفوارس كان يذكر عنه الاعتزال ولم يظهر منه وقد جود شرح كتاب سيبويه ... عاش أربعاً وثمانين سنة ومات في رجب سنة ثمان وستين وثلاث مئة ] .
(11) هو الأخفش الأوسط تلميذ سيبويه ، توفي سنة 215 هـ . وكان معتزلياً كما ذكر الفيروزآبادي في ترجمته في (( البلغة )) ص (105) .
[ فائدة ] : قال السيوطي في (( المزهر )) (2/388) : [ وحيث أطلق في كتب النحو الأخفش فهو الأوسط ، فإن أريد الأكبر أو الأصغر قيّدوه ] .
(12) قال ابن منظور في (( لسان العرب )) (6/8) : [ أَمْسِ : من ظروف الزمان مبنـي علـى
الكسر ، إِلا أَن ينكر أَو يعرَّف ] .
(13) هو علي بن محمد الأشموني ، نحوي من فقهاء الشافعية ، توفي في حدود (920-930 هـ ) ، ترجمته في (( الأعلام )) (5/10) ، وفي (( الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة )) (1/284).
(14) كما تقول : أنا مسافر غداً ، ثم إني اليوم قاصد إلى زيد ، فالترتيب هنا ترتيب في الخبر لا في السفر والقصد إلى زيد . انظر (( شرح عيون الإعراب )) (ص250) للإمام أبي الحسن المجاشعي .