علي مع الحق
لقد كذّب ابن تيمية حديث النبي صلى الله عليه وآله: (عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ، وَالْحَقُّ مَعَهُ يَدُورُ حَيْثُ دَارَ، وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ).
ومع أنه كذّب الحديث لكنه اعترف بدلالة الحديث على عصمة الإمام علي عليه السلام حيث قال: «وَلَوْ دَارَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ حَيْثُمَا دَارَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» منهاج السنة (4/ 241).
فإذا شهد له النبي صلى الله عليه وآله أن الحق يدور معه حيث دار، فأين المشكلة؟
يجيب ابن تيمية، ولكن قبل أن أنقل جوابه لكم أذكركم بكلمة للحافظ ابن حجر العسقلاني حيث قال عن ابن تيمية: «رد في رده [على ابن المطهر الحلي] كثيرا من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة تصنيفه مظانها،،،،، ولزم من مبالغته لتوهين كلام الرافضي الإفضاء أحيانا إلى تنقيص علي» أنظر: لسان الميزان ت أبي غدة (8/ 551).
إذن ابن تيمية ضعّف أحاديث جياد في منهاج سنته بشهادة الحافظ ابن حجر العسقلاني، والآن تعالوا بنا الى ما قاله ابن تيمية حول حديث (علي مع الحق يدور معه حيث دار) حيث قال:
«هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ!» منهاج السنة ت محمد رشاد سالم (4/ 238).
والآن هل فعلاً لم يرد هذا الحديث لا بإسناد صحيح ولا ضعيف كما يزعم ابن تيمية؟
قلتُ: هذا كذبٌ بيّنٌ من ابن تيمية، فالحديث رواه البزار فقال: «حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، ثنا أَبُو دَاوُدَ، ثنا سَعْدُ بْنُ شُعَيْبٍ النّهْمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عن سعد ابن أبي وقاص: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِ: «عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ، أَوِ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ حَيْثُ كَانَ» ، قَالَ: مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مَعَكَ، قَالَ: قَالَهُ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي، فَقَالَ الرَّجُلُ لِسَعْدٍ: مَا كُنْتَ عِنْدِي قَطُّ أَلْوَمَ مِنْكَ الآنَ، فَقَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لَوْ سَمِعْتُ هَذَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أَزَلْ خَادِمًا لِعَلِيٍّ حَتَّى أَمُوتَ» كشف الأستار عن زوائد البزار (4/ 96 ح3282).
قال الهيثمي: «رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِيهِ سَعْدُ بْنُ شُعَيْبٍ، وَلَمْ أَعْرِفْهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ» مجمع الزوائد (7/ 236 ح12031).
قلتُ: الراجح أنه سَعِيد بن شبيب الْحَضْرَمِيّ والذي ترجم له المزي بقوله: «سَعِيد بن شبيب الْحَضْرَمِيّ، أبو عُثْمَان المِصْرِي، رفيق بن إدريس... وَقَال إِبْرَاهِيم بْن يَعْقُوب الجوزجاني: كَانَ شيخا صالحا» أنظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال (10/ 498).
ورواه الخطيب البغدادي فقال: «أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ بْنِ مَنْصُورٍ الْوَرَّاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُكْتِبُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ السَّرَّاجُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبُرَيْدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَرَأَيْتُهَا تَبْكِي وَتَذْكُرُ عَلِيًّا، وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ، وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "» تاريخ بغداد ت بشار (16/ 470)، وعنه ابن عساكر في تاريخ دمشق (42/ 449).
وروى أبو يعلى فقال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، عَنْ صَدَقَةِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟»، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «خِيَارُكُمُ الْمُوفُونَ الْمُطَيَّبُونَ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْخَفِيَّ التَّقِيَّ»، قَالَ: وَمَرَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: «الْحَقُّ مَعَ ذَا، الْحَقُّ مَعَ ذَا» مسند أبي يعلى ت حسين أسد (2/ 318 ح1052)، قال حسين أسد: صدقة بن الربيع وثقه ابن حبان والهيثمي وباقي رجاله ثقات، قال الهيثمي: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. مجمع الزوائد (7/ 235 ح12027)، وقد شهد بوثاقة صدقة بن الربيع الامام محمد بن درويش البيروتي الشافعي (ت1277 هـ) في أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب (ص249).
وروى الترمذي والبزار والطبراني والحاكم واللفظ له: عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ» المستدرك على الصحيحين للحاكم» (3/ 134 ح 4629)، قال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ "، سنن الترمذي ت بشار (6/ 75 ح 3714)، مسند البزار (3/ 52 ح 806)، المعجم الأوسط (6/ 95 ح 5906)، معرفة الصحابة لأبي نعيم» (1/ 93 ح 354)، تاريخ دمشق لابن عساكر» (30/ 63)، الرياض النضرة في مناقب العشرة لمحب الدين الطبري (1/ 48)، وأخرجه جلال الدين السيوطي في الجامع الصغير ورمز الى صحته. التنوير شرح الجامع الصغير (6/ 230 ح 4396).
ويشهد له ما رواه الحاكم بسنده عن أم سلمة رضوان الله عليها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «عَلِيٌّ مَعَ الْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٍّ لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/ 134 ح4628)، صححه الحاكم ووافقه الذهبي.
فعلى هذا يكون الحديث قد صح سنده، وصحت دلالته أيضًا على العصمة بشهادة ابن تيمية.
ولكن هل هناك من السلف الصالح من فَهم ما فهمه ابن تيمية من دلالة الحديث وما نتبناه؟
نعم هناك من السلف الصلح من فهم ذلك وهي أم المؤمنين أم سلمة عليها السلام بما رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي حيث روى الحاكم بسنده: عَنْ أَبِي ثَابِتٍ، مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْجَمَلِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ عَائِشَةَ وَاقِفَةً دَخَلَنِي بَعْضُ مَا يَدْخُلُ النَّاسَ، فَكَشَفَ اللَّهُ عَنِّي ذَلِكَ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، فَقَاتَلْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا فَرَغَ ذَهَبْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَتَيْتُ أُمَّ سَلَمَةَ فَقُلْتُ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا جِئْتُ أَسْأَلُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا وَلَكِنِّي مَوْلًى لِأَبِي ذَرٍّ، فَقَالَتْ: مَرْحَبًا فَقَصَصْتُ عَلَيْهَا قِصَّتِي، فَقَالَتْ: أَيْنَ كُنْتَ حِينَ طَارَتِ الْقُلُوبُ مَطَائِرَهَا؟ قُلْتُ: إِلَى حَيْثُ كَشَفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنِّي عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، قَالَ: أَحْسَنْتَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «عَلِيٌّ مَعَ الْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٍّ لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/ 134 ح4628).
فقد فهمتْ أن من كان مع القرآن الكريم لا يفارقه لا يكون على باطل أبداً، ولو كانت فهمتْ أن من كان مع القرآن لا يفارقه قد يكون على باطل لما صح استدلالها على حقانية الامام علي عليه السلام بهذا الحديث.
أما من يزعم أن القول بأن الإجماع على أن لا معصوم غير النبي صلى الله عليه وآله، نقول له: لم تُجمع الأمة على ذلك، بل لم يُجمع أهل السنة، حيث قال بعضهم بعصمة أهل بدر كما نقل ابن حجر العسقلاني، وقال الشوكاني: «أقولُ: عصمةُ علي وحُجَّة قولِه: ذهب إلى القول بهما جماعةٌ من أهل البيت عليهم السلام» الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (8/ 4085).
نقلاً عن صفحة : المعرفة الدينية.
علي مع الحق
السيرة النبوية
-
- مشاركات: 852
- اشترك في: السبت نوفمبر 04, 2023 1:45 pm
الانتقال إلى
- القرآن الكريم وتفسيره
- ↲ تفسير آية أو آيات كريمة
- ↲ أبحاث في التفسير وعلوم القرآن الكريم
- الحديث النبوي الشريف وعلومه
- ↲ قواعد المصطلح وعلوم الحديث
- ↲ تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها
- ↲ شرح الحديث
- ↲ التراجم والرجال: الصحابة والعلماء وغيرهم
- ↲ أحاديث العقائد
- العقائد والتوحيد والإيمان
- ↲ القواعد والأصول العقائدية
- ↲ مسائل وقضايا التوحيد والإيمان
- ↲ أقوال لأئمة وعلماء ومشايخ في العقيدة ومدى صحتها عنهم
- ↲ قضايا ومسائل لغوية تتعلق بالعقائد
- ↲ الفرق والمذاهب وما يتعلق بها
- ↲ عرض عقائد المجسمة والمشبهة والرد عليها
- التاريخ والسيرة والتراجم
- ↲ السيرة النبوية
- ↲ قضايا تاريخية
- ↲ سير أعلام مرتبطة بالتاريخ والأحداث السياسية الغابرة
- ↲ معاوية والأمويون والعباسيون
- الفكر والمنهج والردود
- ↲ توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ
- ↲ الردود على المخالفين
- ↲ مناهضة الفكر التكفيري والرد على منهجهم وأفكارهم
- ↲ أسئلة وأجوبة عامة
- الفقه وأصوله
- ↲ القواعد الأصولية الفقهية
- ↲ مسائل فقهية عامة
- ↲ المذهب الحنفي
- ↲ المذهب المالكي
- ↲ المذهب الشافعي
- ↲ المذهب الحنبلي
- علوم اللغة العربية
- ↲ النحو والصرف
- ↲ مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
- الكتب الإلكترونية
- ↲ كتب العلامة المحدث الكوثري
- ↲ كتب السادة المحدثين الغماريين
- ↲ كتب السيد المحدث حسن السقاف
- ↲ كتب مجموعة من العلماء
- المرئيات
- ↲ العقيدة والتوحيد: شرح متن العقيدة والتوحيد