وقبل أن نترك الكلام عن فضلاء الحنابلة وننتقل إلى الحديث عن الأشاعرة وتأثرهم بالمعتزلة نود أن ننبه على نقطة مهمة وهي: أن (فضلاء الحنابلة) وعلى رأسهم ابن الجوزي وابن عقيل ليسوا أشاعرة قطعاً، والقصد من هذا أن يعرف الناس أن الحق ليس منحصراً في الأشاعرة بل هناك عند أهل السنة وغيرهم علماء أفذاذاً عباقرة وعمالقة كباراً منزهين لله تعالى وهم متفقون مع الأشاعرة المنزهين في القول في أهم قضايا التوحيد في مسائل الصفات والإضافات بل ربما يقولون في هذا المسائل بأسلوب أوضح وأحسن من قول الأشاعرة مع تمهر ومعرفة في علم الحديث والرواية كالحافظ ابن الجوزي الحنبلي فإن كتابه (دفع شبه التشبيه) مثلاً خير وأفضل ويفوق تقريره كثيراً من كتب الحواشي والشروح والمتون التي تضيّع طالب العلم وتقذفه في فيافي الحيرة والتيه.
ليُعلم من كل هذا أن فضلاء الحنابلة لا علاقة لهم بالأشاعرة والأشعرية، ونحن وإن كانت نسبتنا أشعرية (بمعنى أننا سرنا على منهج يسمى بالمنهج الأشعري مع كونه ليس مذهبا واحداً ولا متفقا على مسائله بين علماء هذا النظام) فإننا لا نفرض هذا المذهب على غيرنا ولا نقول بأننا نحن الفرقة الناجية وغيرنا غير ناج، ومن قال بخلاف هذا فقد أخطأ لقلة مداركه، وإنما نريد أن نثبت أن الماتريدية والأشاعرة وفضلاء الحنابلة وغيرهم من أهل السنة المنزهين لله تعالى ـ وأنتم تعلمون ماذا أقصد بذلك ـ كلهم على هدى وخير وإن أنكر بعضهم على بعض في بعض المسائل، كما أن غيرهم من أهل السنة كالمعتزلة والإباضية وغيرهم من المنزهين مثلهم، ورأس الجميع أئمة العترة الطاهرة الزكية الذين أُمرنا بالتمسك والاقتداء بهم والسير على هداهم لأنهم العلامة والبوصلة الصحيحة لمعرفة الحق الذي جاء به سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي هذه المقالة خصّصنا الكلام على تأثير المعتزلة الإيجابي الحسن على فضلاء الحنابلة الذين ما نهجوا سبيل العقيدة الحقة وخرجوا من سكة التشبيه والتجسيم إلا بفضل المعتزلة الذين يحاول الجامدون والمقلدون وغير المطلعين أن يشوهوا صورتهم ويشنعوا عليهم زوراً وعدواناً.
وأعود فأقول بأن من دلائل عدم كون ابن عقيل وابن الجوزي من الأشاعرة:
قول ابن عقيل في كتابه (الفنون) (1/88): [قال بعض الأصوليين: إن الأشعري لم يترك لنفسه دلالة على الصانع، ولا دلالة على صحة الشرائع. فأما إثبات الصانع فإنه مبني على احتياج المحدث وافتقاره إلى محدث. وليس في الشاهد عنده محدث لبناء ولا نجارة ولا غير ذلك. وصحة إرسال الرسل مبني على الثقة بالمعجز. ووجه الثقة أن الله لا يقم الإعجاز دلالة إلا على يدي صادق غير كاذب عليه. وما ترك لنفسه ثقة بالرسل حيث قال: (لا يقبح شيء صدر من جهة الله من إضلال وسد لباب العلم بمعرفة صحة الرسالة). فلم يبعد تجويز تأييد الكذب بالمعجز، لأن ذلك ليس بأكثر من الإضلال].
وله كلام كثير غير هذا في الأشعري والأشاعرة.
وأما الحافظ ابن الجوزي فانظروا إلى كلامه في الأشاعرة في الصور المرفقة.
وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص (118):
[وتلت هذه المسألة مسائل الصفات مثل العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر. فقال قوم هي معاني زائدة على الذات ونفتها المعتزلة وقالوا عالم لذاته قادر لذاته. وكان أبو الحسن الأشعري على مذهب الجبائي ثم انفرد عنه إلى مثبتي الصفات. ثم أخذ بعض مثبتي الصفات في اعتقاد التشبيه وإثبات الانتقال في النزول والله الهادي لما يشاء].
وقد تحصن هؤلاء الفضلاء من الحنابلة أيضاً بفضل المعتزلة من ترهات التصوف ومما جاء في ذلك: قول ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) ص (352):
[وقد قال أبو حامد الغزالي في كتاب الإحياء: "مقصود الرياضة تفريغ القلب وليس ذلك إلا بخلوه في مكان مظلم". وقال: "فإن لم يكن مكان مظلم فيلف رأسه في جبته أو يتدثر بكساء، أو إزار. ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال حضرة الربوبية". قال المصنف رحمه الله: قلت، انظر إلى هذه الترتيبات والعجب كيف تصدر من فقيه عالم ومن أين له أن الذي يسمعه نداء الحق وأن الذي يشاهده جلال الربوبية ؟ وما يؤمنه أن يكون ما يجده من الوساوس والخيالات الفاسدة وهذا الظاهر ممن يستعمل التقلل في المطعم فإنه يغلب عليه الماليخوليا].
فهذه الأمور إنما ذكرتها ـ وعندي كثير وكثير منها ـ ليعلم من لا يعلم أنه ليس له أن يقول بأن أهل السنة هم الأشاعرة فقط وأنهم هم الفرقة الناجية دون غيرهم، وأنهم متفقون مع الماتريدية وفضلاء الحنابلة! وأن من سواهم كالمعتزلة ليسوا على هدى وأنهم ضلال، والحق أن هناك خلافاً حقيقياً بين أهل السنة الذين يتعصب لهم المتعصبون ويدعون أنهم (الأشاعرة والماتريدية وفضلاء الحنابلة) وصل إلى التضليل في بعض الأحيان، فلا يظنن الواحد منهم أنهم (شعب الله المختار) وليعلم أن للمعتزلة فضلاً على أئمته الذين استفادوا ومالوا إلى قولهم أو اقتربوا منه.
....... يتبع
_________________________________
