التسبيح والدعاء في الركوع

المذهب الشافعي
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 133
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

التسبيح والدعاء في الركوع

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

التسبيح والدعاء في الركوع

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

يستحب أن يُسبِّح المصلي في ركوعه فيقول: (سبحان ربي العظيم) وتراً من المرّات لحديث ((إن الله وتر يحب الوتر)) (رواه مسلم) (4/2062)، ويستحب أن يدعو بما شاء والأفضل بما ورد في الأحاديث الصحيحة، فعن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ألا إني نهيتُ أن أقرأ راكعاً وساجداً ـ يعني القرآن ـ أما الركوع فعظِّموا فيه الرب، وأما السجود، فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم))(1).
ومعنى فَقَمِنٌ أي: جدير أن يُستجابَ لكم.

وعن عقبة بن عامر قال:
((لمّا نزلت {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اجعلوها في ركوعكم، فلمّا نزل {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قال: اجعلوها في سجودكم))(2).

وعن سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال:
((صلّيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا ركع جعل يقول: ((سبحان ربي العظيم)) ثم سجد فقال: ((سبحان ربي الأعلى))(3).

وعن السيدة عائشة رضي الله عنها: ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في ركوعه وفي سجوده: سُبُّوح قُدُّوس رب الملائكة والروح))(4).

وعن سيدنا علي رضي الله عنه وكرّم وجهه: ((أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسْلَمتُ، أنتَ ربي، خشَعَ سَمعي، وبَصَري، ومُخِّي وعظمي وعَصَبي وما استقلت به قَدَمي لله ربِّ العالمين))(5).

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى (في شرح المهذب) (3/412): ((يستحب التسبيح في الركوع ويحصل أصل السبحة بقوله: سبحان الله، أو سبحان ربي، وأدنى الكمال أن يقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فهذا أدنى مراتب الكمال)).

قلت: ولم يَصِحَّ أنه لا يجزيه أقل من ثلاث مرات، لأنَّ حديث: ((إذا ركع أحدكم فقال: سبحان ربي العظيم ثلاثاً فقد تم ركوعه وذلك أدناه)) لم يصح(6)، لكن يؤخذ منه ومن غيره استحباب الثلاث.

قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى (السنن) (2/47):
((والعمل على هذا عند أهل العلم: يستحبون أن لا ينقص الرجل في الركوع عن ثلاث تسبيحات، وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال:
أَستَحِبُّ للإِمام أنْ يُسَبِّحَ خمس تسبيحاتٍ، لكي يُدرِك مَنْ خلفه ثلاث تسبيحات، وهكذا قال إسحق بن إبراهيم)).
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى(7): ((التسبيح في اللغة معناه التنزيه، قال الواحدي: أجمع المُفَسِّرون وأهل المعاني على أنَّ معنى تسبيح الله تعالى تنزيهه وتبرئته من السوء)).

قلت: فمن قواعد الإسلام الثابتة أن المصلي مأمور في سجوده وركوعه أنْ يتعبد الله تعالى بإثبات عقيدة التنزيه والبراءة من عقيدة التشبيه، وأنْ يعتقد ما جاء في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الشورى: 11، فينفي عن عقله وقلبه خيال التشبيه، وقد قال العلماء قديماً:
((كل ما خطر بِبَالِكَ فالله تعالى بخلاف ذلك)).
أخذاً من الآيات المحكمات، مثل قوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وقوله سبحانه: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، وقوله عزّ وجل: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} النحل: 17.
فيجب على كُلِّّ موحدٍ أن يُنَزِّه الله تعالى عن التجسيم والتشبيه، وعن المكان والزمان(8)، وأن يعتقد بأنَّ الله تعالى لا تدركه عقول المخلوقات وأن يُسَلِّم في ذلك.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه الإمام الشافعي في ((مسنده)) (1/95) ومسلم في ((الصحيح)) (1/348).
(2) رواه أبو داود (1/230) وابن حبان في صحيحه (5/225) وغيرهما وهو صحيح.
(3) رواه مسلم (1/537 برقم 772) وابن حبان في ((الصحيح)) (5/223) وغيرهما.
(4) رواه مسلم (1/353) ومعنى سُبُّوح: مُسَبَّحٌ مقدس أي مُعَظَّمٌ ومُبَرّأ من كل نقص وخاصة من التشبيه والتجسيم ومن الشريك ومن كل ما لا يليق به سبحانه، والروح: سيدنا جبريل عليه السلام، وقيل مَلَكٌ عظيم.
(5) ( )رواه الشافعي في ((الأم)) (1/96). ورواه الترمذي (261) وابن ماجه (890) من حديث سيدنا عبد الله بن مسعود. قال الإمام النووي في ((شرح المهذب)) (3/411):
[حديث ابن مسعود رضي الله عنه رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن عون بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود، قال أبو داود والترمذي وغيرهما: هو منقطع، لأنَّ عوناً لم يلقَ ابن مسعود، ولهذا قال الشافعي في الأم: وإن كان هذا الحديث ثابتاً فإنما يعني بقوله تم ركوعه وذلك أدناه، أي أدنى ما يُنسب إلى كمال الفرض والاختيار معاً لا كمال الفرض وحده، قال البيهقي: إنما قال ((إن كان ثابتاً)) لأنه منقطع] اهـ. هذا وقد أخطأ الشيخ المتناقض!! حيث صحح حديث الثلاث تسبيحات، وترى في الجزء الثالث من ((التناقضات الواضحات)) الرد عليه في ذلك، وتفنيد ما جاء به.
(7) في ((شرح المهذب)) (3/415).
(8) ومما يجب اعتقاده حتى يُعْتَبَر الإنسان منزهاً لربّه، مُسَبِّحاً له حق تسبيحه أنْ يعتقد أنَّ الله سبحانه وتعالى موجود بلا مكان، فلا يجوز أنْ يقال في كل مكان كما لا يقال في السماء أو في الأرض أو أنه جالس أو قاعد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} الصافات: 182.
وفي كتاب ((دَفْعُ شُبَهِ التشبِيِه بأَكُفِّ التنزيه)) للإمام الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى، وفيما علّقنا عليه وفي المقدّمة الكبيرة القيمة التي قدّمناها له ما يزيل كل إشكالٍ إن شاء الله تعالى في هذه المسائل المتعلّقة بالتوحيد والصفات ونسأل الله تعالى الهداية والتوفيق.
أضف رد جديد

العودة إلى ”المذهب الشافعي“