تكملة البحث في استفادة وتأثر الأشعرية بالمعتزلة وتصريح بعض علماء الأشعرية بإنصاف المعتزلة والدفاع عنهم:
أول ذلك أن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى بين أن التعصب للأشعري أو للمعتزلي أو للحنبلي مسلك لا يسلكه إلا البلداء من المقلدة والعميان، فقد جاء بعض طلبة العلم للإمام الغزالي متأثر بطعن بعض أشاعرة عصره في الإمام لمخالفته للأشعري وبعض المتعصبين فيما يقولونه لأنه عالم ينظر في الدليل ويقول بما أنتجه الدليل فقال الإمام الغزالي قولاً يكتب بماء الذهب في جوابه في أول كتابه (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) وإليكم ذلك:
[فإني رأيتك أيها الأخ المشفق، والصديق المتعصب، موغر الصدر، منقسم الفكر؛ لما قرع سمعك من طعن طائفة من الحسدة، على بعض كتبنا المصنفة في أسرار معاملات الدين وزعمهم أن فيها ما يخالف مذهب الأصحاب المتقدمين، والمشايخ المتكلمين.وأن العدول عن مذهب الأشعري، ولو في قيد شبر كفر.ومباينته ولو في شيء نزر ضلال وخسر.
فهون أيها الأخ المشفق المتعصب على نفسك، ولا تضق به صدرك، وفُلَّ من غَرْبِك قليلاً، واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً، واستحقر من لا يحسد ولا يقذف، واستصغر من بالكفر أو الضلال لا يعرف.
فأي داع (يقصد داعية إلى الحق) أكمل وأعقل من سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ؟ وقد قالوا: إنه مجنون من المجانين!! وأي كلام أجل وأصدق من كلام رب العالمين ؟ وقد قالوا إنه أساطير الأولين!! وإياك أن تشتغل بخصامهم، وتطمع في إفحامهم، فتطمع في غير مطمع، وتصوت في مسمع.
أما سمعت ما قيل:
كل العداوات قد ترجى سلامتها إلا عداوة من عاداك من حسد
....
فخاطب نفسك وصاحبك، وطالبه بحد الكفر.(أي تعريفه) فإن زعم أن حد الكفر: ما يخالف مذهب الأشعري، أو مذهب المعتزلي، أو مذهب الحنبلي أو غيرهم ؛ فاعلم أنه غِرٌّ بليد.قد قيده التقليد؛ فهو أعمى من العميان، فلا تضيع بإصلاحه الزمان.وناهيك حجة في إفحامه، مقابلة دعواه بدعوى خصومه؛ إذ لا يجد بين نفسه وبين سائر المقلدين المخالفين له فرقاً وفصلاً ولعل صاحبه يميل، من بين سائر المذاهب، إلى الأشعري، ويزعم أن مخالفته في كل وِرْدٍ وصدر، كفر من الكفر الجلي. فسأله من أين ثبت له أن يكون الحق وقفا عليه حتى قضى بكفر الباقلاني إذ خالفه في صفة البقاء لله تعالى وزعم أنه ليس هو وصفا لله تعالى زائدا على الذات. ولِمَ صار الباقلاني أولى بالكفر بمخالفته الأشعري من الأشعري بمخالفته الباقلاني ؟ ولِمَ صار الحق وقفا على أحدهما دون الثاني ؟ أكان ذلك لأجل السبق في الزمان فقد سبق الأشعريَّ غيرُهُ من المعتزلة فليكن الحق للسابق عليه أم لأجل التفاوت في الفضل والعلم ؟ فبأي ميزان ومكيال قدّر درجات الفضل حتى لاح له أن لا أفضل في الوجود من متبوعه ومقلده ؟].
وتقدم معنا أن الإمام السبكي الأشعري في طبقات الشافعية الكبرى (3/386) أثناء حديثه عن الكسب والاختيار:
(ولإمام الحرمين والغزالي مذهب يزيد على المذهبين جميعاً، ويدنو كل الدنو من الاعتزال وليس هو هو).
والظاهر أنه هو هو بعينه ولكنه أبى وترفَّع أن يقول بأنه وافق المعتزلة رحمه الله تعالى.
وكذلك ذهب إلى القول بذلك أيضاً أقضى قضاة الشافعية وإمام طريقة العراقيين الإمام أبو الحسن الماوردي رحمه الله تعالى في تفسيره.
وفي صفات الله تعالى لم يُثْبت أصحاب المتون والشروح والحواشي من الأشعرية ما أثبته الحنابلة والأشعري من أمور ادعوا بأنها من صفات الله تعالى كالوجه والعينين واليدين والكف والأصابع والساق والقدم والضحك والمجيء ونحوها مما لم يثبتها أهل الحق من المنزهين على اختلاف مشاربهم اتفاقا بينهم وبين المعتزلة والعترة المطهرة. وهذا له أسبابه التي تقدم الكلام عليها وتقدّم تأثر فضلاء الحنابلة كابن عقيل وابن الجوزي فيها من المعتزلة.
وقد تقدّم قول السعد التفتازاني في (شرح المقاصد) (1/70) عند كلام له في زيادة الصفات وكونها غير الذات أو عين الذات وفي تعدد القدماء ما نصه:
[وكلام الإمام الرازي في تحقيق إثبات الصفات وتحرير محل النزاع ربما يميل إلى الاعتزال].
فالسعد يصرح أن الفخر الرازي يميل للاعتزال في هذا، والسعد التفتازاني هو من الأئمة المعتمدين لدى الأشاعرة وخاصة عند اللقاني صاحب الجوهرة الذي اعتمد عليه في شروحه الثلاثة للجوهرة.
والكلام على استفادة الفخر الرازي وموافقته في مسائل عديدة للمعتزلة ومخالفته للأشعري كثيرة والكلام يطول فيها.
فمن تصريحات الفخر الرازي بمخالفة الأشعري أنه قال في كتابه (أصول الدين) ص (68):
(المسألة التاسعة عشرة: أنه تعالى باق لذاته خلافاً للأشعري).
وفي ذلك الكتاب مسائل أخرى خالف فيها الفخرُ الرازيُّ الأشعريَّ [انظر ص (89) و (90) وغير ذلك ].
ومنها ما وافق فيها الرازيُّ المعتزلةَ وخالف فيها الأشعريَّ مثل قوله في ((أصول الدين)) أيضاً ص (89):
[قال أبو الحسن الأشعري: الاستطاعة لا توجد إلا مع الفعل، وقالت المعتزلة: لا توجد إلا قبل الفعل، والمختار عندنا أن القدرة هي عبارة عن سلامة الأعضاء وعن المزاج المعتدل فإنها حاصلة قبل حصول الفعل....].
وهذا صريح في موافقته لقول المعتزلة في هذه المسألة.
ولذلك كما استفدنا في هذه النصوص عن الإمام الغزالي وإمام الحرمين والسبكي والماوردي ليس مخالفة الأشعري ضلال وخسر، وليس موافقة المعتزلة شناعة أو ضلال وكفر، كما يحاول أن يبهرج به بعض القاصرين، أو المنتفعين من التشنيع والتشويش.
وقد صرح الحافظ السبكي أن إمام الحرمين لا يتقيد بالأشعري في طبقات الشافعية الكبرى (5/190) حيث قال:
(والإمام لا يتقيد بالأشعري....).
نصوص لبعض علماء الأشاعرة والصوفية العارفين في الدفاع عن المعتزلة:
قال الشعراني في ((اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر)) (1/72-73):
[المبحث الرابع عشر في أن صفاته تعالى عين أو غير أو لا عين ولا غير: اعلم يا أخي أن نفي الصفات الذاتية يُنسب إلى المعتزلة وهم لم يصرِّحوا بذلك كما قال شيخ الإسلام ابن أبي شريف في حاشيته وإنما أخذ الناس ذلك من نفيهم صفات الذات كالقدرة والعلم مثلاً من حيث كونها زائد، وإلا فالمعتزلة متفقون على أنه تعالى حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم لكن بذاته لا بصفة زائدة.... فما نقل عنهم من نفي الصفات على هذا التقرير لازم لمذهبهم ولازم المذهب ليس بمذهب على الراجح وأطال في ذلك.... وأما صفة البقاء فقد اختلفوا فيها فالأشعري وأكثر أتباعه على أنها صفة زائدة على الذات، وقال القاضي والإمامان وغيرهم كقول المعتزلة إنه تعالى باق لذاته لا ببقاء، قال: والأدلة من الجانبين مسطورة في كتب أصول الدين، قال: وإنما نفى المعتزلة الصفات على ما مرَّ تقريره هروباً من تعدد القدماء...] انتهى.
ومن ذلك قول الدسوقي في (حاشيته على أم البراهين) ص (166) دفاعاً عن المعتزلة الذين رماهم السنوسي وغيره بأنهم مشركون وأن المجوس أسعد حالاً منهم:
[وليس المراد أنهم مشركون حقيقة لما علمت أن الإشراك حقيقة إثبات الشريك في استحقاق العبودية أو في وجوب الوجود والمعتزلة لا يقولون بشيء من ذلك، وقد بالغ علماء ما وراء النهر في ذمهم حيث قالوا: المجوس أسعد حالاً من المعتزلة لأنهم أثبتوا شريكاً واحداً والمعتزلة أثبتوا شركاء لا تحصى، والمصنف (يعني السنوسي) تابع لهم في المبالغة وإلا فهم ليسوا مشركين حقيقة كما علمت].
وقال الهدهدي في (حاشيته على أم البراهين) ص (58) مكملاً موضوع الدسوقي:
[ثم إنه لا يؤخذ من كلام المصنف أنهم مشركون إذ لم يصرحوا بالشركة حتى يدرجوا في المشركين لأنهم وإن قالوا إن العبد خالق لأفعاله إلا أنهم يُسَلِّمُون أنه مع داعيته أي قدرته مخلوقان لله تعالى.... فلا يكون العبد إلهاً ولا شريكاً حقيقة ولهذا لم يلزمهم الكفر الصراح اللازم للثنوية وغيرهم فالصحيح عدم كفرهم وعدم إشراكهم....]!!
نسأل الله أن يستيقظ المتعصبون...
....... وللموضوع تتمة......
____________________________
تأثر الأشاعرة وخاصة الشافعية بالمعتزلة واستفادتهم منهم-3-
توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ
العودة إلى ”توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ“
الانتقال إلى
- القرآن الكريم وتفسيره
- ↲ تفسير آية أو آيات كريمة
- ↲ أبحاث في التفسير وعلوم القرآن الكريم
- الحديث النبوي الشريف وعلومه
- ↲ قواعد المصطلح وعلوم الحديث
- ↲ تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها
- ↲ شرح الحديث
- ↲ التراجم والرجال: الصحابة والعلماء وغيرهم
- ↲ أحاديث العقائد
- العقائد والتوحيد والإيمان
- ↲ القواعد والأصول العقائدية
- ↲ مسائل وقضايا التوحيد والإيمان
- ↲ أقوال لأئمة وعلماء ومشايخ في العقيدة ومدى صحتها عنهم
- ↲ قضايا ومسائل لغوية تتعلق بالعقائد
- ↲ الفرق والمذاهب وما يتعلق بها
- ↲ عرض عقائد المجسمة والمشبهة والرد عليها
- التاريخ والسيرة والتراجم
- ↲ السيرة النبوية
- ↲ قضايا تاريخية
- ↲ سير أعلام مرتبطة بالتاريخ والأحداث السياسية الغابرة
- ↲ معاوية والأمويون والعباسيون
- الفكر والمنهج والردود
- ↲ توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ
- ↲ الردود على المخالفين
- ↲ مناهضة الفكر التكفيري والرد على منهجهم وأفكارهم
- ↲ أسئلة وأجوبة عامة
- الفقه وأصوله
- ↲ القواعد الأصولية الفقهية
- ↲ مسائل فقهية عامة
- ↲ المذهب الحنفي
- ↲ المذهب المالكي
- ↲ المذهب الشافعي
- ↲ المذهب الحنبلي
- علوم اللغة العربية
- ↲ النحو والصرف
- ↲ مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
- الكتب الإلكترونية
- ↲ كتب العلامة المحدث الكوثري
- ↲ كتب السادة المحدثين الغماريين
- ↲ كتب السيد المحدث حسن السقاف
- ↲ كتب مجموعة من العلماء
- المرئيات
- ↲ العقيدة والتوحيد: شرح متن العقيدة والتوحيد
