قراءة الفاتحة بعد الدعاء سُنّة مشروعة

المذهب الشافعي
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 133
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

قراءة الفاتحة بعد الدعاء سُنّة مشروعة

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

.
قراءة الفاتحة بعد الدعاء سُنّة مشروعة

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

ومن السُنّة أن يختم الداعي دعاءه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم بقراءة سورة الفاتحة.

فأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلحديث سيدنا عليٍّ رضي الله تعالى عنه وارضاه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل دعاء محجوب حتى يصلّى على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آل محمد))(1).

وأما قراءة الفاتحة فتوسلاً بها إلى الله تعالى بعد الدعاء أي توسلاً بكلامه سبحانه إليه ليجيب دعاءنا تحقيقاً لقوله تعالى: {وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} المائدة: 35، لأنها كما جاء في الحديث الصحيح أعظم سورة في القرآن، ففي البخاري (8/381) عن أبي سعيد ابن المعَلَّى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له:
((ألا أُعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد)) قال فذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليخرج فذكّرتُهُ فقال: ((الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((فتح الباري)) (8/156): ((سُمِّيت أم القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى والتعبد بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وعلى ما فيها من ذكر الذّات والصفات والفعل، واشتمالها على ذكر المبدأ والمعاد والمعاش.. وللفاتحة أسماء أخرى جمعت من آثار أخرى: الكنز والوافية والشافية والكافية وسورة الحمد والحمد لله وسورة الصلاة وسورة الشفاء والأساس وسورة الشكر وسورة الدعاء)) انتهى ما أردت نقله من الفتح.

ولهذه المعاني العظيمة التي فيها، ناسَبَ أن يختم الداعي دعاءه بها إذا دعا، ولعظيم منزلة هذه السورة في قلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يستعملونها في قضاء الحاجات حتى في الرقية فيعالجون بها الأسقام والأمراض ففي صحيح البخاري (4/453) عن أبي سعيد الخدري قال: ((انطلق نَفَرٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سَفْرةٍ سافروها، حتى نزَلوا على حيِّ من أحياء العرب فاستضافوهم فابَوا أن يُضيِّفوهم فلُدغ سيِّد ذلك الحيِّ، فسَعوا لهُ بكلِّ شيءٍ، فقال بعضُهم: لو أتيتمُ هؤلاء الرَّهطَ الذين نزلوا لعلَّهُ أن يكون عند بعضهم شيء، فأَتوهم فقالوا: يا أيُّها الرَّهط إنَّ سيدنا لُدغ، وسعينا له بكل شيءٍ لا ينفعُه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله، إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تُضيِّفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فصالحوهم على قطيعٍ من الغنم، فانطلق يتفِلُ عليه ويقرأ: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (أي سورة الحمد مع البسملة)، فكأنَّما نُشِطَ من عقال، فانَطَلَق يمشي وما به قلَبةٌ، قال فأوفوهم جُعلهُم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضُهم: اقسموا، فقال الذي رَقَى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنذكُرَ لهُ الذي كان فننظُر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذَكروا له، فقال: وما يُدريك أنها رُقية؟ ثم قال: قد أصبتم، اقسِموا واضربوا لي معكم سهماً، فضَحِكَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم)).

قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث في ( الفتح) (4/457): ((فيه الاجتهاد عند فقد النص، وعظمة القرآن في صدور الصحابة خصوصاً الفاتحة)).

قلت: وبعض الناس أيضاً يهبون الفاتحة إلى أمواتهم عقيب الدعاء فيقولون: إلى حضرة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وإلى أمواتنا وأمواتكم الفاتحة، أو نحو هذا الكلام، وهذا أمر حسن وقد وردت السنة الصحيحة بذلك:
فعن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال: قال لي أبي: ((يا بني: إذا أنا مت فألحدني فإذا وضعتني في لحدي: فقل: بسم الله وعلى ملّة رسول الله، ثم شنّ عليَّ التراب شنَّاً ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك))(2).

فمن جادل في هذا الموضوع بعد هذا البيان والإيضاح فإنه يكون قد عاند السنة وحاول أن يرُدَّ الأحاديث الصحيحة لرأيه!! تعصباً للأفكار التي قلّدها أخذاً من بعض الشيوخ دون برهان وبيان وظنّ أنها هي الصواب وكل ما سواها بدعة وخطأ أو ضلال!! فعليه الآن أن يتوب ويُقلع عمّا كان يسير عليه، وأن يفعل ما ذكرناه لأنه هو السنة الثابتة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والله الهادي والموفق.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه محمد بن مخلد العطار الدوري في ((جزئه)) قال: حدثنا سليمان بن بويه حدثنا سلام بن سليمان حدثنا قيس عن أبي إسحق عن الحارث عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كلُّ دعاءٍ محجوب حتى يصلّى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم))، ورواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) قال: أخبرنا أبي أخبرنا يوسف الخطيب وابن القاسم المرابي قالا: حدثنا أبو أحمد الفرضي حدثنا الحسين بن يحيى بن عباس عن الحسن بن عرفة عن الوليد بن بكير عن سالم الحرار عن أبي إسحق عن الحارث عن علي رفعه: ((ما من دعاء إلا بينه وبين السماء حجاب حتى يُصلّى على النبي وعلى آله، فإذا فعل ذلك انخرق الحجاب ودخل الدعاء وإذا لم يفعل ذلك رجع الدعاء)) ورواه أبو الشيخ أيضاً فقال: حدثنا محمد بن سهل حدثنا أبو مسعود حدثنا ابن الأصبهاني حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان عن عبد الكريم عن أبي إسحق عن الحارث عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الدعاء محجوب عن الله عز وجل حتى يُصلّى على محمد وأهل بيته))، ورواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (2/216) عن سيدنا علي موقوفاً ومرفوعاً، والحارث الهمداني ثقة ولا شك في ذلك خلافاً لما تتابع عليه كثيرون تقليداً! فضعّفوه، كما تجد ذلك مفصلاً في رسالة السيد العلامة المحدث عبد العزيز بن الصدّيق رحمه الله تعالى المسماة ((بيان نكث الناكث المتعدي بتضعيف الحارث)) ورسالته الأخرى ((الباحث في علل الطعن بالحارث)). وقال الحافظ السخاوي في ((القول البديع)) ص(224): ((رواه أيضاً ابو القاسم التميمي وابن أبي شريح وابن بشكوال وغيرهم))، قلت: ورواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات (كما في المجمع 10/160) وهذا لا يقال من قِبَلِ الرأي بل له حكم الرفع لا سيما وقد رواه الترمذي في ((السنن)) (2/356) أيضاً من حديث سيدنا عمر رضي الله عنه موقوفاً عليه، ومن شواهده حديث سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه عند عبد الرزاق في ((المصنف)) (10/441) والطبراني في ((الكبير)) (9/170) قال: (إذا أراد أحدكم أن يسأل فليبدأ بالمدحة والثناء على الله بما هو أهله ثم ليصلِّ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ليسأل بعد فإنه أجدر أن ينجح) قال الحافظ الهيثمي في ((المجمع)) (10/155): ((رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن ابا عبيدة لم يسمع من ابيه)) وقال ص(160 في السطر الخامس) أي بعد خمس صفحات: ((وهو حديث جيد)) ومن شواهده أيضاً ما رواه أبو داود (2/77) وغيره عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((.. إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ليدع بعد بما شاء)) وهو صحيح وقد تقدّم في التعليق رقم (426)، فالحديث صحيح بلا شك ولا ريب.
(2) رواه الطبراني في ((الكبير)) (19/221) قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (3/44): ((ورجاله موثوقون))، قلت وهو حديث حسن، وحسَّنه شيخنا الإمام المحدث ((سيدي)) عبد الله بن الصديق رحمه الله تعالى في كتابه ((توضيح البيان لوصول ثواب القرآن)) المطبوع مع ((إتقان الصنعة)) ص(110)، قلت: بل هو حديث صحيح احتج به يحيى بن معين كما في ((تهذيب الكمال)) للمزي (22/537،538)، والإمام أحمد وعلي بن موسى الحداد ما روى ذلك الخلال، وفي معناه حديث آخر ضعيف الإسناد إلا أنه حسن بهذا الشاهد وهو ما رواه الطبراني في ((الكبير)) (12/444) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (7/16) عن سيدنا ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره وليقرأ عند رأسه فاتحة الكتاب)).
أضف رد جديد

العودة إلى ”المذهب الشافعي“