بيان حال حديث: (كُتِبَ على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة..)

تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 133
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

بيان حال حديث: (كُتِبَ على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة..)

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان حال حديث: (كُتِبَ على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة..)
وفي رواية: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة)

وكشف أنه من الموقوفات أي من كلام أبي هريرة وبالتالي هو من الإسرائيليات
وأن فيه جبراً محضاً على المعاصي وعلى الزنا بالخصوص
وهذا من أبطل الباطل


قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} الأعراف:28.

الحديث: هو ما رواه البخاري (6243 و6612) ومسلم (2657) قال البخاري:
[حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لم أر شيئاً أشبه باللمم من قول أبي هريرة (ح) حدثني محمود أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر وزنا اللسان المنطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه].

ومن خلال النظر في إسناده ومتنه يتبين لنا التالي:
1- أنه موقوف:
لأن قول ابن عباس (لم أر شيئاً أشبه باللمم من قول أبي هريرة) صريح في أن هذا القول أي هذا الحديث برمته من قول أبي هريرة وليس مِنْ كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهو مما رواه أبو هريرة من الإسرائيليات الكثيرة، وأبو هريرة من جملة الأشخاص المعروفين برواية الإسرائيليات! وقد نص على ذلك كبار الأئمة وعلماء الحديث من أهل السنة والجماعة كما سيأتي.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (11/26):
[قَوْلُهُ (لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَكَذَا اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ معمر عَن ابن طَاوُسٍ فَسَاقَهُ مَرْفُوعًا بِتَمَامِهِ، وَكَذَا صَنَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَأخْرجهُ من طَرِيق بن أَبِي عُمَرَ عَنْ سُفْيَانَ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ سِيَاقَهُمَا سَوَاءٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ مُوسَى عَنِ الْحُمَيْدِيِّ وَلَفْظُهُ سُئِلَ ابن عَبَّاسٍ عَنِ اللَّمَمِ فَقَالَ: لَمْ أَرَ شَيْئاً أَشْبَهَ بِهِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ كُتِبَ على بن آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ مَوْقُوفًا فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ رِوَايَةَ سُفْيَانَ مَوْقُوفَةٌ، وَرِوَايَةَ مَعْمَرٍ مَرْفُوعَةٌ، وَمَحْمُودٌ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ بن غَيْلَانَ وَقَدْ أَفْرَدَهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ وعلقه فِيهِ لورقاء عَن بن طَاوس فَلم يذكر فِيهِ بن عَبَّاسٍ بَيْنَ طَاوُسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَكَأَنَّ طَاوُسًا سَمعه من أبي هُرَيْرَة بعد ذكر بن عَبَّاسٍ لَهُ ذَلِكَ].

وقال الحافظ في "الفتح" (11/503): [وقد أشرت إلى ذلك في أوائل كتاب الاستئذان وبيَّنْتُ الاختلافَ في رفع الحديث ووقفه].

2- أما رواية أبي هريرة للإسرائيليات:
فقد روى الإمام مسلم بن الحجاج في كتابه "التمييز" ص (10) بإسناده الصحيح عن بسر بن سعيد(1) أنه قال : [اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم. فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم](2).

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت795هـ) في شرحه على صحيح البخاري الذي سماه "فتح الباري" (3/475):
[ولو ذكرنا الأحاديث المرفوعة التي أُعِلَّتْ بأنَّها موقوفة: إما على عبدالله بن سلام ، أو على كعب، واشتبهت على بعض الرواة فرفعها، لطال الأمر].

3- الصواب أنه إذا روى بعض الرواة الحديث مرفوعاً وبعضهم موقوفاً حكم بوقفه عند أكثر المحدثين:
قال النووي في "التقريب" كما في "تدريب الراوي" (1/223):
[الرابع: إذا روى بعض الثقاة الضابطين الحديث مرسلاً، وبعضهم متصلاً، أو بعضهم موقوفاً، وبعضهم مرفوعاً، أو وصله هو أو رفعه في وقت وأرسله ووقفه في وقت فالصحيح أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر؛ لأن ذلك زيادة ثقة وهي مقبولة. ومنهم من قال: الحكم لمن أرسله أو وقفه. قال الخطيب: وهو قول أكثر المحدثين، وعند بعضهم الحكم للأكثر، وبعضهم للأحفظ، وعلى هذا لو ارسله أو وقفه الأحفظ لا يقدح الوصل والرفع في عدالة رواية، وقيل يقدح فيه وصله ما أرسل الحفاظ، والله أعلم].

وأقول: قوله (فالصحيح أن الحكم لمن وصله أو رفعه) خطأ، ليس صحيحاً! وأكثر المحدِّثين على خلافه، حيث يحكمون بأنه موقوف. وقد علَّل الحفاظ في كتبهم كثيراً من الأحاديث بأن بعض الرواة رواها موقوفة، وكل ذلك - عند من حكم برفعها - بناء على أن زيادة الثقة مقبولة، وهذه نظرية لا يُسَلَّم لها بالإطلاق، إذ ليس الحق كذلك، كما سيأتي في النص التالي الذي نقله الحافظ ابن حجر عن جمهور المحدثين.
وقد نهج أكثر من اشتغل بالفقه إلى أن ما اختلفوا في رفعه ووقفه حُكِمَ بأنه مرفوع ليحتجوا به في أحكام الفقه بالأخبار التي اختُلفَ في وقفها ورفعها نصرة للمذهب، وبدعوى أن مثله لا يقال من باب الرأي، وهذا غير صحيح إذ أن بعضها اجتهادات لبعض الصحابة أو الرواة، أو من تفسيرهم أو زياداتهم في متون الأحاديث.

قال الحافظ ابن حجر في "نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر" ص (71طبعة العتر):
[واشْتُهِرَ عَنْ جَمْعٍ مِن العُلماءِ القَوْلُ بقَبولِ الزِّيادةِ مُطْلقاً مِن غيرِ تفصيلٍ، ولا يَتَأَتَّى ذلك على طريقِ المُحَدِّثينَ الَّذينَ يشتَرِطونَ في الصَّحيحِ أَنْ لا يكونَ شاذّاً، ثمَّ يفسِّرونَ الشُّذوذَ بمُخالَفةِ الثِّقةِ مَن هو أَوثقُ منهُ. والعَجَبُ مِمَّنْ أَغفلَ ذلك منهُم معَ اعْتِرافِه باشْتِراطِ انْتفاءِ الشُّذوذِ في حدِّ الحديثِ الصَّحيحِ، وكذا الحَسنِ. والمَنقولُ عن أَئمَّةِ الحَديثِ المُتَقَدِّمينَ كعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدي، ويحيى القَطَّانِ، وأَحمدَ بنِ حنبلٍ، ويحيى بنِ مَعينٍ، وعليِّ بنِ المَدينيِّ، والبُخاريِّ، وأَبي زُرْعةَ الرازي، وأَبي حاتمٍ، والنَّسائيِّ، والدَّارقطنيِّ وغيرِهم اعتبارُ التَّرجيحِ فيما يتعلَّقُ بالزِّيادةِ وغيرها، ولا يُعْرَفُ عن أَحدٍ منهُم إِطلاقُ قَبولِ الزِّيادةِ. وأَعْجَبُ مِن ذلك إِطلاقُ كثيرٍ مِن الشَّافعيَّةِ القَوْلَ بقَبولِ زِيادةِ الثِّقةِ، معَ أَنَّ نصَّ الشافعيِّ يدلُّ على غيرِ ذلك؛ فإِنَّهُ قالَ في أَثناءِ كلامِه على ما يُعْتَبَرُ بهِ حالُ الرَّاوي في الضَّبْطِ ما نَصُّهُ: (ويكونُ إِذا أشْرَك أَحداً مِن الحُفَّاظِ لم يُخالِفْهُ، فإِنْ خالَفَهُ فوُجِدَ حديثُهُ أَنْقَصَ كانَ في ذلك دليلٌ على صحَّةِ مَخْرَجِ حديثِهِ، ومتى خالَفَ ما وَصَفْتُ أَضرَّ ذلك بحديثِهِ) انتهى كلامه. ومُقتَضاهُ أَنَّهُ إِذا خَالَفَ فوُجِدَ حديثُهُ أَزْيَدَ أَضرَّ ذلك بحديثِه، فدلَّ على أَنَّ زيادةَ العَدْلِ عندَه لا يلزَمُ قَبولُها مُطْلقاً، وإِنَّما تُقْبَلُ مِن الحافِظِ؛ فإِنَّهُ اعْتَبَرَ أَنْ يكونَ حديثُ هذا المُخالِفِ أَنْقَصَ مِن حديثِ مَن خالَفَهُ مِن الحُفَّاظِ، وجَعَلَ نُقصانَ هذا الرَّاوي مِن الحديثِ دليلاً على صحَّتِه؛ لأنَّه يَدُلُّ على تَحَرِّيهِ، وجَعَلَ ما عَدا ذلك مُضِرّاً بحديثِه، فدَخَلَتْ فيهِ الزِّيادةُ، فلو كانتْ عندَه مقبولةً مُطْلقاً؛ لم تكنْ مُضِرَّةً بحديثِ صاحِبِها، واللهُ أَعلمُ].

2- جَبْرُ الناسِ على الزِّنا مخالف للقرآن ولعدل الله تعالى:
إن فكرة كون الناس مرغمين على الزنا وأن الله – سبحانه عما يقولون – كتب ذلك عليهم معارضة للقرآن الكريم، الذي يقول فيه عز وجل: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} الأعراف:28. وقال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} البقرة:268، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} النحل:90،

وأما وجه منافاة هذا الحديث لعدل الله تعالى هو أن جبر الناس على الزِّنا ثم تعذيبهم عليه ظلم بلا ريب، قال تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} فصلت:46، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} يونس:44، وقال سبحانه: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} الكهف:49، وقال تعالى: {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} يس:54، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُنْ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيماً} النساء:40، {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} الأنعام:131، ومن عاند وكابر وخالف مفهوم ما جاء في هذه الآيات الكريمة نقول له: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} الأعراف:37، وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} الأنعام:21.

وأما تعريف بعضهم للظلم بأنه: (التصرف في ملك الغير) بمعنى أنَّ تصرف المالك في ملكه ليس ظلماً فهذا من أبطل الباطل، لأن المالك إذا تصرَّف في دابته أو عبيده وجواريه بإيذائهم بلا سبب أو أهلك ماله بالتبذير والإسراف والاستهتار فهو ظالم عقلاً ونقلاً، فالظلم هو وضع الشيء في غير محله ومستحقه (أو كما قال بعض الفضلاء: إضرارُ غيرِ مُسْتَحِقٍ) وليس كما قال البعض هو التصرّف في ملك الغير، فمن مَلَك من البشر دابَّة وعذَّبها فهو ظالم مع أنها ملك يمينه، بل قد يظلم الإنسان نفسه كما قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} النساء:110، وقال تعالى: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} إبراهيم:45، وقد أطلنا في بيان ذلك في شرحنا على الجوهرة، فليراجعه من شاء، والله الموفق.
والحمد لله رب العالمين

وكتبه
حسن بن علي السقاف
17/جمادى الآخرة6/1447هـ الموافق 8/12/2025م


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بُسْر بن سعيد هو الإمام التابعي القدوة بسر بن سعيد المدني من رجال الصحيحين وكتب السنن الأربعة، وقال عمر بن عبدالعزيز: إنه أفضل أهل زمانه بالمدينة، إمام ثقة، توفي سنة مائة من الهجرة، انظر "سير أعلام النبلاء" (4/594) .
(2) وذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" (8/109) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (67/359) وفي المخطوط منه (19/121/1) والذهبي في "سير النبلاء" (2/606) وقال المعلق عليه : [وهذا إسناد صحيح].
أضف رد جديد

العودة إلى ”تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها“