.
في زكاة الفطر واستحباب إخراجها نقداً
من كتاب صحيح صفة صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم
زكاة الفطر هي زكاة على بدن المسلم كل مرة في السنة في شهر رمضان.
استدلَّ بعض العلماء على وجوبها بقوله تعالى {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} سورة الأعلى:14-15. وروى البخاري (1503) ومسلم (984) ولفظه عنده: ((فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حُرٍّ أو عبدٍ، أو رجل أو امرأةٍ، صغير أو كبير، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير)). وفي لفظ البخاري: ((وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)). أقول: وقول ابن عمر فيه (من رمضان) مع قوله فيه من رواية أخرى عنه (قبل خروج الناس إلى الصلاة) يفيد أنها تُخرج في أي جزء من رمضان وسببها رمضان ووقتها إلى قبل خروج الناس لصلاة العيد، وخلاف هذا التفسير يوجب اضطراب الرواية عن ابن عمر في المسألة الدال على الضعف والمصير إلى الإعراض عن اللفظين وبقاؤها على الأصل في التوقيت وهو إخراجها في أي جزء من رمضان إلى صلاة العيد.
والدليل على هذا: ما رواه البخاري (1511): وفيه: ((وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)).
وفي الموطأ (630) [عن نافع: أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. وأخرجه الشافعي عنه وقال: هذا حسن، وأنا أستحبه، يعني تعجيلها قبل يوم الفطر. انتهى](1) .
وروى أحمد (5/432) عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العذري قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناسَ قبلَ الفِطر بيومين فقال: ((أدُّوا صاعاً من بُرٍّ أو قمح بين اثنين، أو صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من شعير، على كل حُرٍّ وعبد وصغير وكبير)). وبثبوت هذه الأحاديث يتبين أن السنة إخراجها في أواخر أيام رمضان والمستحب في أحد الأيام الثلاثة الأخيرة منه، وكان الناس في ذلك العصر يجتمعون قبل صلاة العيد وكان عددهم قليلاً فوردت بعض الأحاديث بأن إخراجها يستحب أيضاً بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العيد ولكن في هذا اليوم تضييق على الناس في هذا الزمن لأنه لا مجال للبحث عن المستحق لها في ذلك الوقت القصير الضيق!!
والمستحب في هذه الأزمان أن تُخْرَج زكاة الفطر نقداً للأحاديث التي قدَّمناها، فَيُقَدِّرُ المُخْرِجُ لها كم يساوي مالياً إطعام أربعة أشخاص نقداً فيخرجه، لأن الصاع أربعة أمداد والمد عبارة عن طعام مسكين ويتفاوت هذا من بلد إلى بلد ومن إنسان إلى آخر، والله تعالى يقول في مثلها {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} المائدة:89 فبعض الناس يطعم لحماً وبعضهم خبزاً وبعضهم غير ذلك، وقد تمسك بعض المتنطعين بقول ابن عباس (وطعمة للمساكين) ليستدل على عدم جواز إخراج زكاة الفطر بالمال!! وهذا خطأ من وجهين:
الأول: أن قول الصحابي ليس بحجة كما هو مقرر في علم الأصول.
والثاني: أن طعمة لا ينحصر معناها في الطعام لا في الشرع ولا في اللغة(2).
قال العلامة الزبيدي في "تاج العروس شرح القاموس" (8/378):
((يقال جعل السلطان ناحية كذا طعمة لفلان أي مأكلة له، وفي حديث أبي بكر: إن الله تعالى إذا أطعم نبياً طعمة ثم قبضه جعلها للذي يقوم بعده، قال ابن الأثير: الطعمة شبه الرزق يريد به ما كان له من الفيء وغيره، وفي حديث ميراث الجد أن السدس الآخر طعمة له أي أنه زيادة على حقه، ويقال: فلان تجبى له الطعم أي الخراج والأتاوات)).
وبذلك يتبين أن الطعمة تطلق على المال النقدي وعلى الأكل وعلى غيرهما مما يرزق به الإنسان، ويبطل قول المخالف لنا بذلك(3).
وأما ما ورد في بعض ألفاظ أحاديث زكاة الفطر (أو صاعاً من طعام) فالمراد به صاعاً من بُرِّ كما ورد في روايات أخرى فما يفتي به بعضهم من إخراج الأرز والدقيق قول خطأ، والنقد هو المعوَّل عليه عندنا، وللسيد الحافظ المحدث الشريف أحمد ابن الصديق الغماري رسالة خاصة في إخراج زكاة الفطر بالمال سماها "نهاية الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال" فليراجعها من أراد التحقيق في هذه المسألة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) فتح الباري (3/376) في شرح الحديث رقم (1511).
(2) رغم أن القائل بذلك من الذين يدعون لأنفسهم العلم باللغة، فيقول أحدهم: ((وكلمة طُعمة يعرف ابن عباس معناها فلا تعني إلا الشيء الذي يطعم، وإلا لفسرها بغيره أو لزاد عليها مما يعرف من اللغة لو كان لها غير ذلك المعنى)) إلى آخر هرائه.....!! وهذا كلام باطل كما سيتبين من معنى كلمة (طعمة) لغة وشرعاً.
(3) ومن أراد التوسع في هذا الأمر فليراجعه من مظانه والله الموفق والهادي.
في زكاة الفطر واستحباب إخراجها نقداً
المذهب الشافعي
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 186
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
الانتقال إلى
- القرآن الكريم وتفسيره
- ↲ تفسير آية أو آيات كريمة
- ↲ أبحاث في التفسير وعلوم القرآن الكريم
- الحديث النبوي الشريف وعلومه
- ↲ قواعد المصطلح وعلوم الحديث
- ↲ تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها
- ↲ شرح الحديث
- ↲ التراجم والرجال: الصحابة والعلماء وغيرهم
- ↲ أحاديث العقائد
- العقائد والتوحيد والإيمان
- ↲ القواعد والأصول العقائدية
- ↲ مسائل وقضايا التوحيد والإيمان
- ↲ أقوال لأئمة وعلماء ومشايخ في العقيدة ومدى صحتها عنهم
- ↲ قضايا ومسائل لغوية تتعلق بالعقائد
- ↲ الفرق والمذاهب وما يتعلق بها
- ↲ عرض عقائد المجسمة والمشبهة والرد عليها
- التاريخ والسيرة والتراجم
- ↲ السيرة النبوية
- ↲ قضايا تاريخية
- ↲ سير أعلام مرتبطة بالتاريخ والأحداث السياسية الغابرة
- ↲ معاوية والأمويون والعباسيون
- الفكر والمنهج والردود
- ↲ توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ
- ↲ الردود على المخالفين
- ↲ مناهضة الفكر التكفيري والرد على منهجهم وأفكارهم
- ↲ أسئلة وأجوبة عامة
- الفقه وأصوله
- ↲ القواعد الأصولية الفقهية
- ↲ مسائل فقهية عامة
- ↲ المذهب الحنفي
- ↲ المذهب المالكي
- ↲ المذهب الشافعي
- ↲ المذهب الحنبلي
- علوم اللغة العربية
- ↲ النحو والصرف
- ↲ مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
- الكتب الإلكترونية
- ↲ كتب العلامة المحدث الكوثري
- ↲ كتب السادة المحدثين الغماريين
- ↲ كتب السيد المحدث حسن السقاف
- ↲ كتب مجموعة من العلماء
- المرئيات
- ↲ العقيدة والتوحيد: شرح متن العقيدة والتوحيد
