بروتوكول التصوف المعاصر وإخصاء الشخصية

توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 215
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

بروتوكول التصوف المعاصر وإخصاء الشخصية

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

بروتوكول التصوف المعاصر وإخصاء الشخصية..

هذا الكلام لا يعجب كثيرا من الذائبين والمائعين في الأشخاص..

كثيرٌ من الناس يدخلون بعض الطرق أو الجماعات الصوفية بحسن نية، باحثين عن تزكية النفس، وذكر الله، وصحبة الصالحين. فيتحمل الواحد منهم في بداياته ما لا يتحمله عادةً خارج هذا الإطار: سماع القصص المكررة، والإكثار من ذكر المناقب، والخضوع لجملة من الأعراف والتقاليد الخاصة بالجماعة، والتعامل مع أنماط من السلوك لا تنسجم بالضرورة مع شخصيته أو تكوينه.

ثم لا يلبث أن يجد نفسه داخل منظومة كاملة: الشيخ، والمريدون، والبروتوكولات الخاصة، والمراسم، والاستقبالات، وأنواع من التعظيم والتبجيل. وهنا تبدأ المشكلة.

فإذا سأل سؤالاً، أو أبدى ملاحظة، أو ناقش تصرفاً من تصرفات الشيخ، رُفع في وجهه سلاحٌ جاهز: "هذه نفسك"، "إياك والاعتراض"، "أنت لم تتربَّ بعد"، "أنت محجوب"، إلى آخر هذه العبارات التي تجعل أي نقد أو سؤال دليلاً على مرض السائل لا على إمكان خطأ المسؤول.

وبمرور الوقت يتحول احترام الشيخ ـ وهو أمر مشروع ومطلوب ـ إلى حالة من التعظيم المفرط الذي لا يكاد يترك مجالاً للاعتراض أو المراجعة. حتى إن بعض المتشيخين يصرح أو يلمح بأن مخالفة الشيخ مخالفة لله ورسوله، وأن الشيخ لا يتصرف إلا بإذن خاص، وأنه وارث كامل لا يُتَصوَّر في حقه الخطأ.

وهنا يبرز السؤال:
إذا كان الشيخ لا يخطئ عملياً، وإذا كان كل فعلٍ له مؤولاً على أحسن الوجوه مهما بدا مخالفاً، وإذا كان مجرد السؤال عنه يعد سوء أدب، فما الفرق بين هذا وبين العصمة وإن لم تُنطق الكلمة صراحة؟

والأعجب أن كثيراً من هؤلاء يرددون كلام السلف والصوفية الأوائل: "إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة". لكن ماذا بقي من هذا الأصل إذا صار مجرد السؤال عن فعل الشيخ جريمة، وصار الاعتراض دليلاً على فساد القلب، وصار النقد خروجاً من الطريق؟

إن التربية الحقيقية لا تُلغي شخصية الإنسان، ولا تُعطل عقله، ولا تجعل الشيخ فوق المحاسبة والمراجعة. نعم، من لا يحترم شيوخه لا ينتفع بهم، ولكن الاحترام شيء، وإضفاء هالة من القداسة العملية شيء آخر.
ولهذا يجد كثير من الداخلين في مثل هذه البيئات أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الخضوع التام لهذه المنظومة بكل ما فيها، وإما الاعتراض والخروج منها، فيُوصمون بالتمرد وسوء الأدب، وربما قيل لهم إنهم حُرموا الخير وطُردوا من الطريق.

فيا للعجب! أين التصوف الذي كان مدرسةً في محاسبة النفس، وتجريد التوحيد، وكسر حظوظها؟ وأين بعض المظاهر التي صارت اليوم تجعل الإنسان يعطل عقله باسم التربية، ويخفي شخصيته باسم الأدب، ويترك الإنكار باسم التسليم؟

إن التصوف الذي نعرفه من كلام الأئمة هو تزكيةٌ للنفس على ضوء الكتاب والسنة، لا صناعةُ طبقةٍ من البشر لا يجوز أن تُسأل، ولا أن تُناقش، ولا أن يُقال لها: أخطأت.


منقول عن معتز الدوري
أضف رد جديد

العودة إلى ”توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ“