من صفات المصلّين: حُسْنُ الخُلُق

المذهب الشافعي
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 133
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

من صفات المصلّين: حُسْنُ الخُلُق

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

من صفات المصلّين: حُسْنُ الخُلُق

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

يجب أن يكون المسلم ـ المصلّي ـ من أحسن الناس خُلُقاً، يعامل الناس باللين والسماحة ونبيل الخصال الحميدة، فيكون بين الناس كالزهرة النضرة طيباً ورِفْقاً وتواضعاً، لأن الألفة والقول الحسن السديد ثمرة حسن الخُلُق، والهُجْرَ(1) والسباب ثمرة سوء الخُلُق، فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق ، وسوء الخُلُق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر.
وحُسْنُ الخُلُق لا تخفى في الدين فضيلته، وهو ممّا يجب على كل مؤمن أن يتحلّى به، وهو الذي مدح الله سبحانه به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم:4 .وقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أكثر ما يُدخل الناس الجنة تقوى الله وحُسْن الخُلُق))(2) وقال سيدنا أسامة رضي الله عنه: قلنا يا رسول الله ما خَيْر ما أُعطي الإنسان؟ فقال: ((خُلُقٌ حَسَنْ))(3) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((بُعِثْتُ لأُتمم مكارم الأخلاق))(4) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أثقل ما يوضع في الميزان خُلُقٌ حسن))(5).
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثيرَ الضراعة والابتهال، دائم السؤال إلى الله تعالى أن يُزينه بمحاسن الآداب، ومكارم الأخلاق، فكان يقول في دعائه: ((اللهم حَسِّن خَلْقي وخُلُقي))(6) ويقول: ((اللهم جنبني منكرات الأخلاق))(7) فاستجاب الله تعالى دعاءه وفاءً بقوله عز وجل: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر:60 فأنزل عليه القرآن، وأدَّبه به، فكان خُلُقه القرآن، قال سعد بن هشام: سُألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: أمَا تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت كان خُلُقُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القرآن. عن سعد بن هشام قال: سَألتُ عائشة فقلت: أخبريني عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: كان خلقه القرآن(8).
وإنما أدَّبه الله بالقرآن بمثل قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الأعراف:199، وقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} النحل:90، وقوله تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} الشورى:43، وقوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} المائدة:13، وقوله: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} النور:22، وقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} فصلت:34، وقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}ال عمران:134، وقوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} الفرقان:63.
وبالمقابل جاء النهي عن الفُحْش والتفحُّش في أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم للسيدة عائشة: ((عليكِ بالرِّفق وإياك والعنف والفحش))(9)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله يبغض كل جعظريٍّ جوَّاظ(10) صخاب في الأسواق.. عالم بأمر الدنيا جاهلٍ بأمر الآخرة))(11)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله يبغض الفاحش البذيء))(12)، وقال سيدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: ((لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبَّاباً ولا فحّاشاً...))(13).
ومن الخصال الدالة على سوء الخلق والتعصب أعاذنا الله من ذلك أن يهجر المؤمن أخاه المؤمن لمجّرد مخالفته له في الرأي أو فيما يذهب إليه!! وكذلك أن ينهى الناس عن مجالسته وزيارته أو قراءة ما يكتبه بحجة عدم جواز مجالسة أهل البدع والأهواء!! وكذا عدم جواز قراءة كتبهم!! وهذا التعصب المقيت أعاذنا الله منه دالٌّ على الإفلاس العلمي التام عند من يدعو إليه!! لأن هذه حُجة مَن لا يستطيع مقارعة الحجة بالحجة كما لا يستطيع أن يجلس لمناظرة المخطئ أو المبتدع لبيان خطئه وبدعته له وللناس!! بالحُجة والبرهان دون تعصب أو تعنت.
ومجالسة أهل الضلال لمناظرتهم وإقناعهم سبيل الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه فيما أمرهم الله به إذ قال سبحانه: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} البقرة:111، وقال سبحانه: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} النحل:125، وقال تعالى: {قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَاَ} هود:32، والذي نقوله إن الدعوة إلى هجر المبتدع هي دواء سلبي بعيد عن هديه عليه الصلاة والسلام حيث قال: ((لا يَحِلُّ لرجلٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأُ بالسلام))(14)، ولأنه بالهجر تبعد إمكانية اللقاء للمباحثة والمناظرة والمناقشة التي يتم من خلالها الإقناع بالحجة!!
فنسأل الله تعالى أن يحسِّن أخلاقنا(15) ويصون ألسنتنا من الوقوع في الفحش والبذاء ويرشدنا إلى الصواب، ويقينا شر التناقض!! والتعصب!! والإصرار على الباطل!! إنه سميع قريب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) هو رديء الكلام والفحش من القول.
(2) رواه الترمذي (4/363) وهو صحيح.
(3) رواه ابن ماجه (2/1137) وهو صحيح.
(4) رواه البخاري في "الأدب المفرد" برقم (274) وغيره وهو صحيح.
(5) رواه الترمذي (4/363) وهو صحيح.
(6) رواه أحمد (1/403) وأبو يعلى (9/9) وابن حبان (3/239) وغيرهم وهو صحيح.
(7) رواه الترمذي (5/575) وابن حبان في صحيحه (3/240) واللفظ له وهو صحيح.
(8) رواه أحمد (6/163).
(9) رواه البخاري (10/452) ومسلم (4/1707).
(10) الجَعْظَرِيُّ: الفظ الغليظ، والجوّاظ، الضخم المختال أو صاحب الشر، أو الجموع المنوع.
(11) رواه البيهقي (10/194) وابن حبان في صحيحه (موارد ص485) وهو صحيح.
(12) رواه ابن حبان (12/506) والطبراني في الكبير (1/166) وهو صحيح.
(13) رواه البخاري (10/452) وغيره.
(14) رواه البخاري (10/492) ومسلم (4/1984). ولشيخنا الإمام المحدّث ((سيدي)) عبد الله بن الصديق رحمه الله تعالى رسالة خاصة في مسألة الهجر سمّاها ((النفحة الذكية في بيان أن الهجر بدعة شركية)) وقد لخصتها في تعليقي على رسالة سيدي عبد الله ((بيني وبين الشيخ بكر)) المطبوعة في آخر ((فتح المعين)) رد فيها على شبه الداعين للهجر بين المسلمين فليرجع إليها من شاء التوسع في الموضوع.
(15) وأخلاق المسلم وصفاته الحميدة الحسنة ذاتية، بحيث لا يستطيع أن يتخلّى عنها أو يغيّرها بانتقاله من مكان إلى مكان أو من بلد إلى بلد أو في زمان دون زمان فالمسلم الصادق والمؤمن الحقيقي من يدعو الناس لدينه بِحُسْن معاملته وصدقه حتى مع الكفار، وكم أدخل المسلمون في السابق شعوباً كاملَة في الإسلام أو أقطاراً وبلداناً دون استعمال السيف لما رآه أولئك منهم من حُسْن أخلاق وشيمٍ وعدل وإنصاف، ولا أدلَّ على ذلك من إدخال السادة الحضارمة ((الباعلويون)) رضي الله عنهم الإسلام إلى جزر جاوه والسواحل الهندية والإفريقية بدون حروب حتى دخل نحو مائتي مليون مسلم في الإسلام وتمذهبوا بمذهب الإمام الشافعي لما رآه أهل تلك الأقاليم من صدقِ وحسنِ معاملةِ وأخلاقِ هؤلاء الدعاة الذين تأسَّوا بجدهم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حيث كان يقابل الإساءة بالإحسان {وَلَا تَسْتَوي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} فصلت:34.
ومما يؤسف له جد الأسف أن هناك مَنْ يسيءُ إلى الإسلام والمسلمين فمتى لاحت له الفُرَص أظهر حقيقة نفسه وبعضهم يَذهب إلى بعض الدول وخاصة إلى أوروبا وأمريكا فيبدّل أخلاقه وينزع ثوب الحياء المستعار فينقلب خُلُقه انقلاب لون الحرباء ويُظهر حقيقة صفاته الذاتية.. فيزعم أنّه يجوز له الزنا بنساء تلك الديار لأنَّهن كافرات حربيات.. وكذا يستحل السطو والسرقة لأموالهم بحجة أنهم حربيون.. بل قد يجدون زائغاً مارقاً يفتيهم بجواز ذلك ومَنْ أظلم ممّن أحل ما حرّم الله تعالى..
أضف رد جديد

العودة إلى ”المذهب الشافعي“