الصلاة في الطائرة والسفينة والسيارة
من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)
عن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة في السفينة فقال:
((صلِّ قائماً إلا أن تخاف الغرق))(1).
وعن أنس بن سيرين قال:
((خرجت مع أنس بن مالك (الصحابي) حتى إذا كنا بِدجْلة حضرت الظهر فأمنّا قاعداً على بساط في السفينة، وإنَّ السفينة لتجري بنا جرياً))(2).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:(3)
((إذا صلى الفريضة في السفينة لم يُجْز له ترك القيام مع القدرة كما لو كان في البر... فإنَّ كان له عذر من دوران الرأس ونحوه جازت الفريضة قاعداً لأنه عاجز فإن هبّت الريح وحوّلت السفينة فتحول وجهه عن القبلة وجب ردّه إلى القبلة ويبني على صلاته ـ أي يكملها دون أن يعيدها من الأول ـ بخلاف ما لو كان في البر وحوّل إنسان وجهه ـ أي صدره ـ عن القبلة قهراً فإنه تبطل صلاته)).
قلت: فتبين من هذا حكم الصلاة في السفينة، والطائرة كالسفينة لأنها في معناها، فإن تمكَّن في الطائرة من القيام والصلاة كما يصلي على الأرض أو على متن السفينة ومستقبلاً القبلة لزمه ذلك ولا إعادة عليه، وإلا صلّى كيفما كان لحرمة الوقت ثم أعاد إذا نزل من الطائرة وقضى.
وأما صلاة الفريضة في السيارة والحافلة فلا تصح وإنما يجب عليه أن ينزل منها فيصلي على الأرض، وإذا كان في سفر طويل وهو مسافة القصر (81كم تقريباً فأكثر) فإنه يجوز له الجمع، ويجب على سائق الحافلة أن يقف في وقت كل صلاة ليصلي مَنْ يجمع الصلوات ومَنْ لا يجمع، وعليهم أن ينبهوه على ذلك فإنْ لم يقف كان الإثم في عنقه.
وأما إن كان السفر دون مسافة القصر التي هي (81كم تقريباً) ولم يُمكن إيقاف سائق الحافلة فإنه يصلي لحرمة الوقت ويعيد الصلاة.
وأما صلاة النفل فتجوز في الحافلة والسيارة، يُصلّي وهو جالس على المقعد، يؤمئُ بركوعه وسجوده ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
[فائدة]:
ولمسألة حرمة الوقت والإعادة عدة أدلة لا بأس هنا أن نذكر دليلاً واحداً عليها، وهو أنه ثبت من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها قالت:
((إنها استعارت من أسماء قِلادةً فَهَلَكَت ـ أي ضاعت ـ فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلّوا وشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله آية التيمم)). رواه البخاري (1/440 فتح) وغيره.
فهؤلاء الذين صلوا بغير وضوء ولا تيمم صلوا لحرمة الوقت بلا طهور، والصلاة بغير طهور غير مقبولة فيجب إعادتها لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) رواه مسلم في الصحيح (1/204).
وثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلاً يُصلّي وفي ظَهرِ قدمه لُمْعَة قَدْر الدرهم لم يُصِبها الماء، فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يُعيد الوضوء والصلاة.
رواه الإمام أحمد (3/424) وأبو داود (1/45) وهو حديث صحيح.
وقد أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعيد الوضوء تغليظاً عليه وإنما كان يكفيه غسل رجليه، وأمره بإعادة الصلاة لأنها كانت بغير طهور والله الموفق.
[مسألة]:
وهنا مسألة مهمة وهي أنَّ الذي يركب الطائرة ويمشي بأتجاه غروب الشمس ولا تغرُبُ الشمس عليه حيث يسافر مثلاً من الأردن إلى أمريكا فيسأل كيف يصلي الصلوات والشمس لم تغرب عليه في سفره؟!
والجواب عليه: أنه يُصَلّي في الطائرة ما أمكنه بالحساب بالساعات، ومتى نزل لزمه قضاء صلوات يوم كامل، خمس فروض، سبعة عشر ركعة، إحتياطاً وبراءة له، وعند وصوله للبلد المقصود ـ كأمريكا مثلاً ـ فإنه فورَ وصوله إلى المطار يجب عليه ما يجب على أهل تلك البلدة من الصلوات، حتى لو وصل قبل غروب الشمس في وقت العصر فغربت الشمس عليه ولم يتمكن لحظتئذٍ من أداء صلاة العصر تلك فإنها تلزمه ويطالب بقضائها، هذا هو الصحيح المعتمد عندنا الذي ندين الله تعالى به وهو الأحوط والأبرأ للذمة (4).
[مسألة مهمة]:
يجب على المسلم أن يتعلَّم أدلة معرفة القبلة، والأصل في ذلك أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لكلِّ مصلٍّ أن يتوجه إلى القبلة في صلاته، قال الله تعالى: {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} النحل: 16، ومن العلامات: البوصلة التي يستعملها الناس اليوم في معرفة القبلة وهي من العلامات الحسنة الجيدة، فعلى المرء المسلم وخاصة المسافر أن يعرف ويتعلم أدلة معرفة القبلة سواء بمعرفة اتجاهها من جهة شروق الشمس وغيابها، أو من ظلِّ الأشياء في النهار أو بالبوصلة، وعليه أن يعرف إذا سافر موقع وجهة سفره الذي يريده، وموقع القبلة من الاتجاه الذي يسير إليه، هكذا ينبغي أن يكون المسلم المهتم بأمر دينه كما كان الصحابة رضي الله عنهم.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:
((فإن تَرَكَ التعلُّم وقلَّد لم تصحَّ صلاته لأنه ترك وظيفته في الإستقبال... وإذا لم يعرف القبلة وكان ممّن لا يتأتى منه التعلم لعدم أهليته، أو لم يجد مَنْ يتعلّم منه، وضاق الوقت أو كان أعمى ففرضهم التقليد، وهو قول الغير المستند إلى اجتهاد....، وإذا لم يجد مَنْ فرضه التقليد من يُقلِّده وجب عليه أن يصلي لحرمة الوقت على حسب حاله وتلزمه الإعادة لأنه عذر نادر))(5).
لأن استقبال الصلاة شرط لصحتها ولم يسقطها الشرع إلا في شدة الخوف وفي النافلة في السفر كما مرَّ في الآية والأحاديث الصحيحة.
واعلم أنّه لا يجوز لإنسان إذا دخل لمكانٍ كبيت صديقه أو نحو ذلك ولم يكن يعرف جهة القبلة أن يبادر إلى الصلاة قبل الاجتهاد الصحيح بالنظر مثلاً من النافذة إلى الشمس أو إلى قبلة المسجد القريب أو يسأل صاحب المنزل أو ما إلى ذلك، فإذا صلى دون تمحيصٍ واجتهادٍ معتَبَرٍ إلى جهةٍ ما، فدخل عليه صاحب المنزل فقال له وهو في صلاته: القبلة إلى جهة كذا وليس إلى الجهة التي تصلِّي إليها، فليس لذلك المصلي أن ينحرف إلى الجهة الجديدة ليكمل صلاته بل صلاته باطلة وعليه أن يعيدها من جديد إلى الجهة الصحيحة فتنبه لذلك، والله الموفق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه الدارقطني في ((السنن)) (1/394،395) والحاكم في ((المستدرك)) (1/275) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (3/155) وحسَّنه، وهو كذلك.
(2) رواه الطبراني في الكبير (1/243) وقال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (2/163): ((رجاله ثقات)). وفي الأصل: ((لتجر بنا جراً)) فأصلحناه.
(3) في ((شرح المهذب)) (3/242).
(4) وبمناسبة ذكر أمريكا والقبلة، ينبغي أن نذكر بأنَّ قبلة أهل أمريكا في القارتين الجنوبية والشمالية هي للشمال الشرقي لا إلى الجنوب الشرقي، وهذا مقرر عند جميع العقلاء، ويمكن أن يَعرف كل شخص في أمريكا القبلة ودرجة انحرافها بالضبط إذا وَضَعَ على خارطة الكرة الأرضية الكروية (لا المُسطَّحة المرسومة على الورقة) خيط أو مسطرة من النقطة التي تُمثِّل البلد التي هو فيها إلى النقطة التي تُمثِّل مكة المكرمة فإنَّه سيظهر له الاتجاه بكل وضوح.
ولا عبرة بفرقة شاذة تُنكر هذا وتماري وتجادل فيه، وتدَّعي هذه الطائفة المنحرفة بأنَّ هُناك إجماعاً على ما تقول فلذلك يزعمون بأنّه يجب على أهل أمريكا الشمالية أن يستقبلوا الجنوب الشرقي! وهذا هُراء لا قيمة له البتة في موازين العلم!! وذلك لأنَّ هذا الإجماع مثل الإجماع الذي ينقُلونه على وقوف الأرض وسكونها وأنها لا تتحرك! فالإجماع الذي ينقُلونه في القبلة متوهم في أذهانهم وهو غير موجود! ولو كان هناك إجماع حقاً لكان المراد به: أن أهل الشام الذين هم في شمال الحجاز يستقبلون الجنوب ولا علاقة لأمريكا بهذا الإجماع المزعوم البتة، لا سيما وهي في النصف الآخر من الكرة الأرضية، وبعضهم يقول بأنه وجد مسجداً قديماً في أمريكا قِبلتُه إلى الجنوب الشرقي وهذا أيضاً هراء لا قيمة له البتة، لأنه على فرض وجود هذا المسجد فليس هو من الأدلة الشرعية كما هو مُفصَّل في محلّه، والمقرر عند أهل العلم بأنه يجوز الإجتهاد إلا في مكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعُلم إلى أين اتَّجه، والله الموفق.
(5) انتهى من ((المجموع)) (3/228-229).
الصلاة في الطائرة والسفينة والسيارة
المذهب الشافعي
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 187
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
الانتقال إلى
- القرآن الكريم وتفسيره
- ↲ تفسير آية أو آيات كريمة
- ↲ أبحاث في التفسير وعلوم القرآن الكريم
- الحديث النبوي الشريف وعلومه
- ↲ قواعد المصطلح وعلوم الحديث
- ↲ تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها
- ↲ شرح الحديث
- ↲ التراجم والرجال: الصحابة والعلماء وغيرهم
- ↲ أحاديث العقائد
- العقائد والتوحيد والإيمان
- ↲ القواعد والأصول العقائدية
- ↲ مسائل وقضايا التوحيد والإيمان
- ↲ أقوال لأئمة وعلماء ومشايخ في العقيدة ومدى صحتها عنهم
- ↲ قضايا ومسائل لغوية تتعلق بالعقائد
- ↲ الفرق والمذاهب وما يتعلق بها
- ↲ عرض عقائد المجسمة والمشبهة والرد عليها
- التاريخ والسيرة والتراجم
- ↲ السيرة النبوية
- ↲ قضايا تاريخية
- ↲ سير أعلام مرتبطة بالتاريخ والأحداث السياسية الغابرة
- ↲ معاوية والأمويون والعباسيون
- الفكر والمنهج والردود
- ↲ توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ
- ↲ الردود على المخالفين
- ↲ مناهضة الفكر التكفيري والرد على منهجهم وأفكارهم
- ↲ أسئلة وأجوبة عامة
- الفقه وأصوله
- ↲ القواعد الأصولية الفقهية
- ↲ مسائل فقهية عامة
- ↲ المذهب الحنفي
- ↲ المذهب المالكي
- ↲ المذهب الشافعي
- ↲ المذهب الحنبلي
- علوم اللغة العربية
- ↲ النحو والصرف
- ↲ مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
- الكتب الإلكترونية
- ↲ كتب العلامة المحدث الكوثري
- ↲ كتب السادة المحدثين الغماريين
- ↲ كتب السيد المحدث حسن السقاف
- ↲ كتب مجموعة من العلماء
- المرئيات
- ↲ العقيدة والتوحيد: شرح متن العقيدة والتوحيد
