السترة سنَّة وليست واجبة في الصلاة

المذهب الشافعي
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 187
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

السترة سنَّة وليست واجبة في الصلاة

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

السترة سنَّة وليست واجبة في الصلاة

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

عن سيدنا سهل بن حَثمَة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
((إذا صلى أحدكم إلى سُتْرَةٍ(1) فليَدْنُ منها...))(2).
إذا علمت ذلك فأعلم أنه يُسنُّ للمصلي أن تكون بين يديه سترة(3) كجدار أو سارية ـ أي عمود من أعمدة المسجد مثلاً ـ أو غيرهما، ويسن أن يدنو منها، ولا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع(4)، فإن لم يكن حائط ونحوه غرز عصا ونحوها أو جمع متاعه أو رحله، ويكون ارتفاع العصا ونحوها ثُلُثي ذراعٍ فصاعداً وهو قَدْرُ مؤخَّرَةِ الرَّحْلِ كما جاء في الحديث الصحيح.
فعن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها:
((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سُئِلَ، في غزوة تبوك، عن سترة المُصلِّي فقال: كمؤخرة الرَّحل))(5).
وعن نافعٍ أنَّ سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
((كان إذا دخل الكعبة مشى قِبَلَ وجهه حين يدخل، وجعل الباب قِبَلَ ظهره، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قِبَلَ وجهه قريباً من ثلاثة أذرع صلّى، يتوّخى المكان الذي أخبره به بلال أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلّى فيه))(6).
ذِكرُ بعض الأحاديث التي تفيد سُنِّية السترة وتبطل قول مَنْ قال بوجوبها:
عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:
((أقْبَلْتُ راكباً على حمارٍ أتانٍ، وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتلام ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُصَلِّي بالناس بمنى إلى غير جدارٍ فمررتُ بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلتُ الأتانَ ترتع ودخلتُ في الصف، فلم يُنْكِرْ ذلك عليَّ أحدٌ))(7).
قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (1/171) شارحاً:
[قوله (إلى غير جدارٍ) أي: إلى غير سُتْرَةٍ قاله الشافعي. وسياق الكلام يدل على ذلك، لأنّ ابن عباس أورده في معرض الإستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته(8). ويؤيده رواية البزار بلفظ ((والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي المكتوبة ليس لشيءٍ يستره))].
قلت: وأصرح من ذلك رواية أبي يعلى وفيها أنَّ رجلاً سأل ابن عباس لمّا حدَّث به فقال له: ((أكان بين يديه عنزةٌ؟ قال: ((لا)) (9).
فلا تجب السترة بدلالة هذه الأحاديث الصحيحة الواضحة وخاصة في الحرمين الشريفين وقد صحَّ الحديث في ذلك:
فعن المطلب بن أبي وداعة قال:
((رأيتُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حين فرغ من طوافه أتى حاشية المطاف، فصلى ركعتين، وليس بينه وبين الطَّوَّافين أحد))(10).
قلت: وإذا وضع المصلِّي سترةٌ أمامه، فللناس أن يمرُّوا بعدها من أمامه، ويحرم المرور بين يديه، اي أمامه مباشرة في المنطقة التي يسجد عليها، وإذا لم يضع سُتْرةً فلهم أن يَمُرُّوا من أمامه بعد مسافة ثلاثة أذرع منه ويحرم عليهم أن يمرّوا بين يديه، أي أمامه مباشرة.
(فأما) الثلاثة أذرع فدليلها: حديث البخاري(11) الذي تقدّم وفيه أن ابن عمر صلى في الكعبة بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع مُتَّبِعاً في ذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
(وأما) تحريم المرور بين يدي المُصلِّي: فأحاديث، منها: حديث أبي جُهيم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
((لو يعلم المار بين يدي المُصلّي ماذا عليه(12)، لكان أن يَقِفَ أربعين، خيراً له من أن يَمُرَّ بين يديه))(13).
وعن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
((إذا صلى أحدكم إلى شيءٍ يستره من الناس، فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتِلْه، فإنما هو شيطانٌ))(14).
وفي رواية أخرى عند مسلم (1/362) لم يذكر فيها السترة ونصها:
((إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمُرُّ بين يديه، وليدرأُهُ ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان)).
قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (1/582):
(قلت: والمُطْلق في هذا محمول على المقيّد، لأنَّ الذي يصلِّي إلى غير سُترةٍ مقصِّرٌ بتركها ولا سيما إن صلى في مشارع المُشاة) انتهى.
ومعنى ((فليدفعه فإن أبى فليقاتله)) أي: فليدفعه دفعاً خفيفاً فإن أبى فليدفعه دفعاً أشدَّ من الأوّل، ولا يقول عاقل بالمقاتلة الحقيقية كما توهم بعضُ الناس السُذَّج!!
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (1/583):
[قوله (فليدفعه)، ولمسلم ((فليدفع في نحره)) قال القرطبي: أي بالإشارة ولطيف المنع. وقوله (فليقاتله) أي يزيد في دفعه الثاني أشدَّ من الأول، قال وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح، لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة(15) والإشتغال بها والخشوع فيها... ونقل البيهقي عن الشافعي أنَّ المراد بالمقاتلة دفعٌ أشدُّ من الدفعُ الأول... ونقل ابن بطّال وغيره الإِتفاق على أنّه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه ولا العمل الكثير في مدافعته، لأنَّ ذلك أشدَّ في الصلاة من المرور] انتهى باختصار، والله الموفق.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) قوله (إذا صلى أحدكم إلى سترة) يفيد الندب أي السُنِّيَّة ولا يفيد الوجوب لأن صيغة ((إذا)) للتخيير أصلاً لا للأمر إلا بقرينة كما هو ظاهر، وستأتي بعد قليل إن شاء الله تعالى أدلة واضحة تفيد سنيّة السترة وتنفي الوجوب نفياً قاطعاً.
(2)رواه الإمام أحمد (4/2) وأبو داود (1/185) والنسائي (2/62) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (1/458) وابن حبان في ((صحيحه)) (6/136) والحاكم في المستدرك (1/251) والبيهقي (2/272) وغيرهم وهو حديث صحيح، ورواه أبو داود (1/186) وابن ماجه (1/307) وابن حبان (6/135) من حديث أبي سعيد بإسناد صحيح أيضاً.
(3)يعني شيئاً أمامه ليمرَّ مَنْ أراد المرور مِنْ بعده.
(4)الذراع الشرعي يساوي (48 سنتيمتر تقريباً).
(5)رواه مسلم في ((الصحيح)) (1/359).
(6)رواه البخاري في ((الصحيح)) (1/579).
وقد استدلَّ من قال بوجوب السترة بحديث الضحاك عن صدقة عن ابن عمر مرفوعاً: ((لا تُصلَّ إلا إلى سترة..)) رواه ابن حبان (6/126) وابن خزيمة (2/10) والبيهقي (2/268)، قلت: ولا دلالة فيه من وجهين: (الأول): أن هناك قرائن ستأتي الآن إن شاء الله تعالى تصرفه من الوجوب إلى الندب، (والثاني): أن الحديث مرويٌّ بالمعنى، ولفظه في ((صحيح مسلم)) (1/363 برقم 506) من نفس الطريق: الضحاك عن صدقة عن ابن عمر مرفوعاً: ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يَدَع أحداً يمرُّ بين يديه..)) على التخيير بذكر ((إذا)) التي تفيد الندب، وأولى ما يُحْمَلُ عليه الحديث ويُفسَّر به ما جاء في روايته الأخرى، فتنبّه، والله الهادي.
(7)رواه البخاري (1/571) ومسلم (1/361).
(8)وقال في ((الفتح)) (1/571) أيضاً: ((فلو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة، إذ مروره حينئذٍ لا ينكره احد أصلاً)) انتهى.
(9)انظر مسند أبي يعلى (4/312 برقم 2423) وإسناده صحيح رجاله رجال الصحيح، ونص على ذلك الحافظ الهيثمي في ((المجمع)) (2/63).
(10)رواه النسائي (5/235 برقم 2959) وابن حبان في ((الصحيح)) (6/127 برقم 2363) وابن خزيمة في صحيحه (2/15) وهو صحيح.
وبمناسبة ذكر الطواف والطائفين هنا أود أن أُنبّه على قضية مهمة جداً وهي: أن بعض الناس إذا قلنا لهم بأن ملامسة المرأة ناقضة للوضوء، أو أن الإختلاط حرام، قالوا وماذا تقول في الطواف؟!
فأقول لهم: بَنَيتُمْ اعتراضكم وتجويزكم لما يوافق أهواءكم على أصلٍ فاسدٍ موهوم، وذلك لأنَّ هذا الطواف الذي ترونه اليوم وتحتجون به!! والذي فيه اختلاط الرجال بالنساء! وما يحصل فيه من تلاصق وتضامٍ في كثيرٍ من الأحيان وخاصة عند الإزدحام غير جائز بنظر الشرع بل هو فعل محرَّم، لأنَّ مقاصد الشريعة وأدلتها العامة في الكتاب والسُنَّة تؤكد تأكيداً شديداً على حرمة الاختلاط، ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} النور: 31، فإذا كان صوت خلخالها فيه فتنة عظيمة نصّ القرآن عليها ومنعها من إظهار صوت هذا الخلخال، وحرّم النظر إلى المرأة وأمر بغض البصر بصريح آيات الذكر الحكيم، فهل يتصوَّر عاقلٌ بعد هذا أن يكون هذا الطواف جائزاً؟!
فعلى أهل العلم وأئمة المسلمين وأهل الشأن في هذا الأمر أن يجدوا حلاً لهذه القضية التي تهم كلَّ مسلمٍ، وإنني أقترح عدّة اقتراحات في ذلك منها: أن يُخصّص وقت للنساء أول النهار يطفن فيه، أو أن يخصص لهن يوم أو أيام في الأسبوع أو مكان معزول لا يصل إليه الرجال، أي يُمنع بينهم بسياجٍ من خشب أو حديد أو غير ذلك، وقد ورد ذلك في الشرع وعن السلف.
ففي البخاري (3/479 فتح): قال ابن جريج أخبرني عطاء إذ مَنع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال كيف يَمْنَعُهُنَّ وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الرجال؟ قلت: أبعد الحجاب أو قَبْلُ؟ قال: إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يُخَالِطن الرجال؟ قال: لم يَكُنَّ يُخَالطن، كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجرةً من الرجال لا تخالطهم. [قال الإمام عبد الرزاق في المصنّف (5/66): حجزة: معتزلة، محجوزاً بينهنَّ وبين الرجال بثوب] فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أُم المؤمنين، قالت: انطلقي عَنكِ، وأبَتْ [قلت: حجره وحجزة بمعنى واحد].
يَخرُجنَ مُتنكرَّات بالليل فيَطُفنَ مع الرجال [قلت – حسن -: ولم يَكُنْ في الليل يومئذٍ أضواء ولا كهرباء وأنوار كما اليوم، وقوله (فيَطُفنَ مع الرجال) أي غير مختلطاتٍ وإنما المراد أثناء طواف الرجال من خلفهم بعيداتٍ كما سيأتي في حديث أم سلمة الذي بعده في البخاري].
ولكن كنَّ إذا دَخَلنَ البيتَ قُمنَ حتى يدخُلن وأخرج الرجال [منعاً للإختلاط بهنَّ لأنَّ الإختلاط مُحرَّم وحجج من أجازه شُبَهٌ باطلة أبطلتها واحدة واحدة في مكان آخر].
هذا لفظ البخاري وما بين الأقواس [] من كلامي وتوضيحاتي فانتبه.
وفي البخاري أيضاً (3/480) بعد ذلك عن السيدة أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّي أشتكي فقال:
((طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفت..)).
وقال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (3/480):
((روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء)).
فهذا الحكم الشرعي المتعلق بالطواف فيجب تحقيقه، وأسأل الله تعالى أن أجد تجاوباً وعملاً لتحقيقه وأن تعلوَ أصوات العلماء بالمطالبة به، اللهم إنّي بلّغت فاشهد.
(11)رواه البخاري (1/579).
(12)قال الحافظ في الفتح (1/585) عند ابن أبي شيبة زيادة((من الإثم)) بعد ((ماذا عليه)) فتنبّه.
(13)رواه البخاري (1/584) ومسلم (1/363).
(14)رواه البخاري (1/582) ومسلم (1/363).
(15)لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((إنَّ في الصلاة شغلاً)) رواه البخاري (7/188) من حديث سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وكذا أبو داود (1/243) وأحمد (1/376) وغيرهم.
أضف رد جديد

العودة إلى ”المذهب الشافعي“