صلاة المريض الذي يستطيع القيام والذي لا يستطيع القيام
من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)
[مسألة مهمة]:
ويدلُّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً))(1) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم))(2) على أنّ المريض الذي يتأثر من السجود أو الركوع ويستطيع القيام لا بُدَّ له من القيام، فإن ترك القيام وجلس على كرسيٍّ مثلاً كما يفعله اليوم بعض الناس الذين يشتكون من مَرَضٍ في فِقَارِ الظهر ويصلّون جالسين مع قدرتهم على القيام وينحنون للركوع والسجود فصلاةُ هؤلاء باطلة وغير صحيحة، لأنهم تركوا القيام مع قدرتهم عليه، فأما الركوع والسجود فلهم أن يجلسوا على كرسيٍّ فيه وينحنوا عليه قدر الإستطاعة لئلا يلحقهم ضرر في ذلك.
صلاة المريض قاعداً إذا عجز عن القيام له أجر القائم
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسيدنا عمران بن حصين:
((من صلّى قائماً فهو أفضل ومَن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومَنْ صلى نائماً ـ أي مضطجعاً ـ فله نصف أجر القاعد))(3) محمول على صلاة النفل للقادر على القيام، لأنَّ المريض المبسور(4) يحتاج أن يسأل عن صلاة الفرض والقيام لها، وعن صلاة النفل أيضاً والقيام لها، وهو يستطيع أن يقوم في صلاة النفل وإن كان في مرض غير ثقيل، فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمران هنا في هذا الحديث متعلق بالنفل، وأما قوله له في الحديث الآخر: ((صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً)) هو في صلاة الفرض جمعاً بين الأدلة، فتأمل جيداً.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (5)
((يجوز فعل النافلة قاعداً مع القدرة على القيام بالإجماع ودليله الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها... لكن ثوابها يكون نصف ثواب القائم لحديث عمران... ولو صلّى النافلة قاعداً أو مضطجعاً للعجز عن القيام والقعود فثوابه ثواب القائم بلا خلاف كما في صلاة الفرض قاعداً أو مضطجعاً للعجز، فإنَّ ثوابها ثواب القائم بلا خلاف)) اهـ.
قلت: ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيّن في أحاديث كثيرة بأن الله تعالى يكتب للمريض العاجز عن أداء العبادة على الوجه الذي يأتي به السليم المعافى أجْرَهُ كاملاً، من تلك الأحاديث حديث سيدنا أبي موسى الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
((إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً))(6).
وعن عبد الله بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
((ما من أحدٍ من المسلمين يُبْتلى ببلاءٍ في جسده إلا أمَرَ الله عز وجل الحفظةَ الذين يحفظونه: اكتبوا لعبدي مثل ما كان يعمل وهو صحيح ما دام محبوساً في وِثاقي))(7).
وفي رواية عبد الرزاق وأحمد بإسناد صحيح:
((إنَّ العبد إذا كان على طريقة حَسَنَةٍ من العبادة ثم مرض قيل للمَلَك الموكَّل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقاً حتى أُطلقه أو أَكفِتَه إليَّ))(8).
وعن سيدنا أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
((إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاءٍ في جسده، قال للمَلَك: اكتب له صالح عمله الذي كان يعمل، فإن شفاه غَسَلَهُ وطهَّره، وإن قبضه غفرَ له ورِحمهُ))(9).
[فائدة]:
إذا كان الله تعالى يكتب للمريض الذي شق عليه القيام فصلّى جالساً صلاته وهو صحيح كاملة فإنَّ ذلك يقتضي أنه إذا صلى قائماً مع المشقة كُتب له أَجْرٌ أزيد وأكْثَرُ من أجر الصحيح.
روت السيدة عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
((ما من امرئٍ تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجرَ صلاته، وكان نومه صدقة عليه))(10).
وعن سيدنا أبي موسى الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
((إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً))(11).
قال الحافظ ابن حجر(12) رحمه الله تعالى:
[واسْتُدِلَّ به على أنَّ المريض والمسافر إذا تكلّف العمل كان أفضل من عمله وهو صحيح مقيم.
وفي هذه الأحاديث تَعقُّبٌ على من زَعَمَ أنَّ الأعذار المُرَخِّصة لترك الجماعة تُسقط الكراهةَ والإثم خاصة من غير أن تكون مُحَصِّلة للفضيلة،... ويشهد ـ لذلك ـ حديثُ ابي هريرة رفعه: ((من توضأ فأحسنَ وضوءَه ثم خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر مَنْ صلى وحضر، لا ينقص ذلك من أجْرِه شيئاً))(13) أخرجه أبوداود والنسائي والحاكم وإسناده قوي، وقال السبكي الكبير في ((الحلبيات)):
((مَنْ كانت عادته أن يصلي جماعة فتعذر فانفرد كتب له ثواب الجماعة، ومن لم تكن له عادة لكن أراد الجماعة فتعذّر فانفرد يكتب له ثواب قصده لا ثواب الجماعة، لأنه وإن كان قصده الجماعة لكنه قصدٌ مجرّد...))] انتهى من ((الفتح)).
قلت: وأوضح دليل لكلام الإمام السبكي الكبير الحديث المتقدّم:
((إنّ العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة، ثم مرض، قيل للمَلَك الموكَّل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقاً...))(14).
فتأمل ذلك جيداً!
[مسألة]:
ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ومن صلَّى نائماً فله نصف أجر القاعد)) قال البخاري عقبه(15):
[نائماً عندي مضطجعاً ها هنا].
وقد ورد في الحديث الآخر عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب))(16).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) البخاري (2/587 فتح).
(2) رواه البخاري (13/251 فتح) ومسلم (2/975 برقم 1337).
(3) رواه البخاري في صحيحه (2/586 فتح) ولفظةُ ((مُضطجعاً)) ليست في هذا الحديث، إنما هي من تفسير الإمام البخاري رحمه الله تعالى فإنه قال هناك عقب هذا الحديث: ((نائماً عندي مُضطجع ههنا)).
(4) أي المصاب بمرض الباسور،وكان سيدنا عمران رضي الله عنه مصاب به.
(5) ((المجموع)) (3/276).
(6) رواه البخاري (6/136).
(7) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (11/196) وأحمد في ((المسند)) (2/194) والحاكم في ((المستدرك)) (1/348) وهو صحيح.
(8) قال الحافظ المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (4/290): ((وإسناده حسن، ومعنى أكفته إليَّ: أضمَّه إليَّ وأقبضه)) اهـ. باختصار، وصححه الحافظ الهيثمي في ((المجمع)) (2/303).
(9) رواه أحمد في ((المسند)) (3/148و 238) وأبو يعلى في ((المسند)) (7/232) وقال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (2/304): ((رواه أبو يعلى وأحمد ورجاله ثقات))، وهو حديث حسن.
(10) رواه أبو داود في ((سننه)) (2/34 برقم 1314) وهو صحيح مع إبهام الراوي عن السيدة عائشة، وكذا رواه النسائي في ((الكبرى)) (2/177/برقم1462) مبيناً أن المبهم هو الأسود بن يزيد.
(11) رواه البخاري (6/136) كما تقدم.
(12) في ((فتح الباري)) (6/137).
(13) رواه أبو داود (1/155) والنسائي (2/111) والحاكم (1/208) وقال على شرط مسلم.
(14) رواه أحمد (2/203) وإسناده صحيح، قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (2/303): ((رواه أحمد وإسناده صحيح)).
(15) انظر البخاري (2/586 فتح).
(16) البخاري (2/587 فتح)، قال الحافظ ابن حجر في شرحه (2/588).:
[قوله (فعلى جنب) في حديث عليٍّ عند الدارقطني ((على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه)) وهو حجة للجمهور في الانتقال من القعود إلى الصلاة على الجنب، وعند الحنفية وبعض الشافعية يستلقي على ظهره ويجعل رجليه إلى القبلة، ووقع في حديث عليٍّ أنَّ حالة الإستلقاء تكون عند العجز عن حالة الاضطجاع، واستدلَّ به من قال لا ينتقل المريض بعد عجزه عن الإستلقاء إلى حالة أخرى كالإشارة بالراس ثم الإيماء بالطرف، ثم إجراء القرآن والذكر على اللسان ثم على القلب لكون جميع ذلك لم يذكر في الحديث، وهو قول الحنفية والمالكية وبعض الشافعية، وقال بعض الشافعية بالترتيب المذكور، وجعلوا مناط الصلاة حصول العقل، فحيث كان حاضر العقل لا يسقط عنه التكليف بها، فيأتي بما يستطيعه بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) هكذا استدلَّ به الغزالي] انتهى كلام الحافظ ابن حجر من الفتح.
قلت: وحديث الدارقطني المذكور هو في ((سننه)) (2/42، 43) بإسناد فيه رجال متكلم فيهم لأجل التشيع، بل حَكَمَ الحافظُ في اللسان على هذا المتن بالنكارة، وليس كذلك وليس هذا محل بسط الكلام عليه فافهم.
وأما الإيماء فقد ورد في أحاديث منها ما تقدّم من ((أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماءً)) رواه البخاري (2/576 فتح) ومسلم (1/488) فالإيماء في الصلاة وارد ويُصار إليه إذا تعذّر الركوع والسجود.
صلاة المريض الذي يستطيع القيام والذي لا يستطيع القيام
المذهب الشافعي
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 187
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
الانتقال إلى
- القرآن الكريم وتفسيره
- ↲ تفسير آية أو آيات كريمة
- ↲ أبحاث في التفسير وعلوم القرآن الكريم
- الحديث النبوي الشريف وعلومه
- ↲ قواعد المصطلح وعلوم الحديث
- ↲ تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها
- ↲ شرح الحديث
- ↲ التراجم والرجال: الصحابة والعلماء وغيرهم
- ↲ أحاديث العقائد
- العقائد والتوحيد والإيمان
- ↲ القواعد والأصول العقائدية
- ↲ مسائل وقضايا التوحيد والإيمان
- ↲ أقوال لأئمة وعلماء ومشايخ في العقيدة ومدى صحتها عنهم
- ↲ قضايا ومسائل لغوية تتعلق بالعقائد
- ↲ الفرق والمذاهب وما يتعلق بها
- ↲ عرض عقائد المجسمة والمشبهة والرد عليها
- التاريخ والسيرة والتراجم
- ↲ السيرة النبوية
- ↲ قضايا تاريخية
- ↲ سير أعلام مرتبطة بالتاريخ والأحداث السياسية الغابرة
- ↲ معاوية والأمويون والعباسيون
- الفكر والمنهج والردود
- ↲ توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ
- ↲ الردود على المخالفين
- ↲ مناهضة الفكر التكفيري والرد على منهجهم وأفكارهم
- ↲ أسئلة وأجوبة عامة
- الفقه وأصوله
- ↲ القواعد الأصولية الفقهية
- ↲ مسائل فقهية عامة
- ↲ المذهب الحنفي
- ↲ المذهب المالكي
- ↲ المذهب الشافعي
- ↲ المذهب الحنبلي
- علوم اللغة العربية
- ↲ النحو والصرف
- ↲ مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
- الكتب الإلكترونية
- ↲ كتب العلامة المحدث الكوثري
- ↲ كتب السادة المحدثين الغماريين
- ↲ كتب السيد المحدث حسن السقاف
- ↲ كتب مجموعة من العلماء
- المرئيات
- ↲ العقيدة والتوحيد: شرح متن العقيدة والتوحيد
