سنية وضع اليد اليمنى على اليسرى أثناء القيام في الصلاة
من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)
عن وائل بن حِجْر قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل الصلاة يأخذ شماله بيمينه))(1).
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ((كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة)) قال أبو حازم ـ أحد رواة الحديث ـ لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. رواه البخاري في صحيحه (2/224فتح).
فالسُّنَّة أن يَضَعَ يده اليمنى على ظهر كفِّ يده اليُسرى، أي أن يُمسك بكفِّ يده اليمنى معصم اليسرى وهو ما يُسمى بالكوع وليس الكوع كما يظن كثير من العامه بأنه المرفق الذي هو حدُّ غسل اليد في الوضوء، وإنّما الكوع عند العرب وفي لغتهم التي نطق بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الأبرار رضي الله عنهم وكما في معاجم اللغة هو: العظم الذي يلي الإِبهام عند مِعصَمِ اليد، أي التقاء الساعد بالكف فتنبه لذلك، وقد قال بعض العلماء في ذلك نظماً:
وعظمٌ يلي الإِبهَامَ كوعٌ ومَا يلي ..... لِخِنْصِرِهِ الكُرْسوعُ والرُسْغُ ما وَسَطْ
وعظــمٌ يَلي إبهامَ رِجْلٍ مُلَقَّــــبٌ ..... بِبُوعٍ فَخُذْ بالعِلمِ واحْذَرْ مِنَ الغَلَــــطْ
وربما يقرأ بعضُ الناس في حديثٍ أو في كتابٍ أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأخذ بكفِّه الأيمن كوعه الأيسر، فيظنُّ أنّه ينبغي له أن يمسك مِرفَقَه الأيسر الذي تُسَمِّهِ العامةُ اليوم بالكوع ـ خطأ ـ ((بكفه الأيمن))!! لظنِّهم أنَّ المِرفَقَ هو الكوع وذلك لقلة معرفتهم باللُّغة!!
قال العلامة المجد الفيروز أبادي في ((القاموس المحيط)): ((الكوع طَرَفُ الزَّندِ الذي يلي الإِبهام)).
وروى البيهقي (2/28) وغيره بسندٍ صحيحٍ عن وائل بن حجر قال: ((لأنظرنَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف يصلي، قال فنظرت إليه قام وكبَّر ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى والرسغ والساعد)).
وقال الإمام البخاري في صحيحه (3/71):
((ووضع عليٌّ رضي الله عنه كفَّه على رسغه الأيسر...)) بصيغة الجزم، والحديث في سنن البيهقي (2/29) وقال عُقبة: ((هذا إسناد حسن)).
فالسنة كما قدمنا أن يضع المصلي كفَّه اليمنى على كوع اليسرى، وقد بيَّنا معنى الكوع وأنه موضع الساعة أو السوار في اليد وليس موضع المرفق، وأنه قد أخطأ خطأً فادحاً مَن أمسك مرفقه وظنّ نفسه مُتَّبعاً للسنةِ وخاصة إذا زاد في التفنن فأضاف لذلك تفريجاً فاحشاً بين قدميه!! فعليه أن يقلع عن ذلك وأن يرجع إلى الصواب الذي بيّناه وإلى السنة الصحيحة، والله الموفق.
وعن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه قال:
((رآني النبي صلى الله عليه وآله وسلم واضعاً يدي اليسرى على يدي اليمنى فنزعها ووضع اليمنى على اليسرى))(2).
قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة ـ أي وضع اليمنى على الشمال ـ أنّه صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع(3).
وقال الحافظ ابن حجر: ((قال بعضهم: القلب موضع النية، والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه))(4).
واعلم يرحمك الله تعالى أنه يُستحب ويُسنُّ للمصلي بعد أن يُكبِّر تكبيرة الإِحرام أن يضع يده اليمنى فوق اليسرى مباشرة، والأفضل أن لا يرسل يديه إلى الأسفل ثم يرفعهما ليضع اليمنى على اليسرى.
والسنة أن يضع يديه فوق سرته بقليل، وليس عليها ولا يرفع يديه فيضعهما على ثدييه أو عند نحره، فأصل الصدر هو العظام التي تبرز وتصدر للأمام إذا حنى الإِنسان نفسه إلى الوراء، فالوضع ليس على الثدي بل إلى أسفل بين السرة والثدي(5) هذا هو الصدر بدليل قوله تعالى : {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} الحج: 46.
هذا ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضع يديه على صدره، قال الحافظ ابن حجر:
[وقد روى ابن خزيمة من حديث وائل أنّه وضعهما على صدره، والبزار عند صدره](6)، فهذه الروايات بمجموعها تدل على وضع اليدين فوق السرة لا تحتها ولا على الثديين أو النحر، والله الموفق (7).
وأما الإِسبال وهو إرسال اليدين دون وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة فهو مذهب العِترة المطهرة (وهو مذهب الزيدية والإمامية) والإباضية وجماهير من المالكية من أهل السنة فلعله هو الصواب المنبثق من مذهب سيدنا علي عليه السلام المأخوذ من صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على التحقيق، وفيه بحوث، وقال بعضهم إن القبض سنة أموية فليحقق هذا ويُنْظَر فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
( ) رواه ابن المنذر في ((الأوسط)) (3/90) وإسناده صحيح، ورواه ابن خزيمة في صحيحه (1/242) بمعناه، وكذا أبو داود (1/193).
( ) رواه أبو داود (1/201) والنسائي (2/126) وابن السكن في صحيحه، قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (2/224): ((وإسناده حسن)).
( ) ((الفتح)) (2/224).
( ) ((الفتح)) (2/224).
( ) إلى السرة أقرب، ما بين الثلث والثلثين، وهو الوضع العادي إذا وضع الإنسان يديه إحداهما على الأخرى دون تكلِّف في الرفع إلى الأعلى ولا إلى الأسفل.
( ) ((الفتح)) (2/224).
( ) وفي الجزء الثالث من كتابنا ((التناقضات)) ملحق خاص بمسألة وضع اليدين على الصدر فانظره إن شئت.
سنية وضع اليد اليمنى على اليسرى أثناء القيام في الصلاة
المذهب الشافعي
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 187
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
الانتقال إلى
- القرآن الكريم وتفسيره
- ↲ تفسير آية أو آيات كريمة
- ↲ أبحاث في التفسير وعلوم القرآن الكريم
- الحديث النبوي الشريف وعلومه
- ↲ قواعد المصطلح وعلوم الحديث
- ↲ تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها
- ↲ شرح الحديث
- ↲ التراجم والرجال: الصحابة والعلماء وغيرهم
- ↲ أحاديث العقائد
- العقائد والتوحيد والإيمان
- ↲ القواعد والأصول العقائدية
- ↲ مسائل وقضايا التوحيد والإيمان
- ↲ أقوال لأئمة وعلماء ومشايخ في العقيدة ومدى صحتها عنهم
- ↲ قضايا ومسائل لغوية تتعلق بالعقائد
- ↲ الفرق والمذاهب وما يتعلق بها
- ↲ عرض عقائد المجسمة والمشبهة والرد عليها
- التاريخ والسيرة والتراجم
- ↲ السيرة النبوية
- ↲ قضايا تاريخية
- ↲ سير أعلام مرتبطة بالتاريخ والأحداث السياسية الغابرة
- ↲ معاوية والأمويون والعباسيون
- الفكر والمنهج والردود
- ↲ توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ
- ↲ الردود على المخالفين
- ↲ مناهضة الفكر التكفيري والرد على منهجهم وأفكارهم
- ↲ أسئلة وأجوبة عامة
- الفقه وأصوله
- ↲ القواعد الأصولية الفقهية
- ↲ مسائل فقهية عامة
- ↲ المذهب الحنفي
- ↲ المذهب المالكي
- ↲ المذهب الشافعي
- ↲ المذهب الحنبلي
- علوم اللغة العربية
- ↲ النحو والصرف
- ↲ مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
- الكتب الإلكترونية
- ↲ كتب العلامة المحدث الكوثري
- ↲ كتب السادة المحدثين الغماريين
- ↲ كتب السيد المحدث حسن السقاف
- ↲ كتب مجموعة من العلماء
- المرئيات
- ↲ العقيدة والتوحيد: شرح متن العقيدة والتوحيد
