السُّنة أن يشير بإصبعه في التشهد ولا يحركها

المذهب الشافعي
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 133
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

السُّنة أن يشير بإصبعه في التشهد ولا يحركها

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

.
السُّنة أن يشير بإصبعه في التشهد ولا يحركها

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

يستحب للمصلي أن يضع يده اليمنى في أوّل جلوسه للتشهد مقبوضة الأصابع إلا الشاهد ـ السبابة ـ والإبهام، فيضع السبابة على الإبهام ويشير بها أي يرفعها حانياً لها عند قوله: ((أشهد أن لا إله إلا الله)) في الشهادة، ولا يُحرِّكها بل يُكرهُ ذلك، ولا يشير إلا بإصبع يده اليمنى لا غير، ويستمر رافعاً لها حتى يُسلِّم.

فعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليُسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثاً وخمسين، وأشار بالسبابة))(1).

وفي رواية أيضاً في صحيح مسلم (1/408) عن علي بن عبد الرحمن المعاوي أنه قال: رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة، فلما انصرف نهاني، فقال: اصنع كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنع، فقلت: وكيف كان يصنع؟! قال: ((كان إذا جلس في الصلاة، وضع كفَّه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام ((إلى القبلة))(2)، ووضع كفَّه اليسرى على فخذه اليسرى)) والإشارة لا تدل على التحريك بل تنفيه.

قلت: قوله (وقبض أصابعه كلها) أي إلا المُسَبِّحة والإبهام لحديث الثلاث والخمسين الذي تقدّم، فتنبه لذلك.

وعن سيدنا نُمير الخُزاعي رضي الله عنه قال:
((رأيت النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم واضعاً ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعاً أُصبَعَهُ السبابة قد حناها شيئاً))(3).

وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يُشير بأُصبِعه إذا دعا ولا يُحرِّكها))(4).

والدليل على أنه لا يشير بإصبعه من أول التشهد وإنما عند قوله: ((أشهدُ أن لا إله إلا الله)) عدة أدلة، منها حديث وائل بن حجر الذي فيه: ((وجعل صلى الله عليه وآله وسلم مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ثم قبض ثنتين، وحلّق حلقة(5) ثم رفع إصبعه)) هذا لفظ الدارمي(6) ولفظ ابن حبان في ((صحيحه)) (5/272): ((وقبض خنصره والتي تليها، وجمع بين إبهامه والوسطى، ورفع التي تليها يدعو بها)).

وسُمِّيت السبابةُ بالشاهد لأنَّ الإنسان إذا نطق بلفظ الشهادة أشار بها أو إذا أراد أن يُشهد الناس على أمرٍ ما ويقول يا أيها الناس اشهدوا أشار بها ورفعها منفردة.

وفي ((سنن البيهقي)) (2/133): ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يَصْنَعُ ذلك لمّا يوحِّد بها ربه تبارك وتعالى))(7) أي عند إثبات التوحيد بقوله ((إلا الله)) بعد قوله ((لا إله)) في الشهادة.

فيستنبط من هذه الأحاديث الصحيحة توقيت رفع الإصبع والإشارة به وهو عند النطق بلفظ أشهد أن لا إله إلا الله، ويستمر رافعاً لها حتى يُسَلِّم لحديث ((فوضع.. مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى ثم عقد الخنصر والبنصر ثم حلق الوسطى بالإبهام وأشار بالسبابة)) رواه البيهقي (2/131) وغيره وهو صحيح، ولحديث سيدنا ابن عمر: ((ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها)) رواه مسلم والبيهقي (2/130) وغيرهما والدعاء هو الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما بعده من الأدعية حتى السلام، فافهم.

قال الإمام البغوي في ((شرح السنة)) (3/177): ((واختار أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم الإشارة بِمُسَبِّحَتِهِ اليُمنى عند كلمة التهليل، ويُشير عند قوله: إلا الله...)) انتهى.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه مسلم في ((الصحيح)) (1/408)، ومعنى (ثلاثاً وخمسين) أي كما قدّمنا يقبض أصابعه الثلاثة، فهذه الثلاثة، ويمد السبابة والإبهام فيشكلان شبه حلقة دائرية فهذه الخمسة، فصارت ثلاثة وخمسين. وقد تكون (الثلاث والخمسين) كناية عن قبض الأصابع.
(2) هذه الزيادة ((إلى القبلة)) بهذا اللفظ ثابتة في ((صحيح ابن خزيمة)) (1/356) وفي ((صحيح ابن حبان)) (5/274)، وهو في النسائي (2/237) وفي ((شرح السنة)) للبغوي (3/177) والبيهقي (2/132) وابن المنذر في ((الأوسط)) (3/216) وابن الجارود برقم (208) بمعناه، وهذا يفيد عدم التحريك بل وكراهته.
(3) ر واه أحمد (3/471) وأبو داود (1/260) والنسائي (3/39)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (1/354) وأقرَّ تصحيحه الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) برقم (8807) وابن حبان في ((الصحيح)) (5/273) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (2/131) وغيرهم وهو صحيح وباقي الأحاديث التي ليس فيها ذكر التحريك تشهد له.
ومالك بن نمير الخزاعي: ثقة لأنّه من أبناء الصحابة، ولا يعرف بجرحٍ، ووثقه ابن حبان فأورده في ((الثقات)) (5/386) و (7/460)، وروى عنه ثقة وهو عصام بن قدامة الجدلي.
(4) رواه أبو عوانة في ((صحيحه)) (2/226) وأبو داود (1/260) والنسائي (3/38) والبيهقي (2/132) والبغوي في ((شرح السنة)) (3/178) بإسناد صحيح، وأما الحديث الذي فيه ((يحركها)) فلا تثبت فيه هذه اللفظة وهي شاذة لأنه رواه أحد عشر ثقة فلم يذكروا فيه التحريك، ورواه واحد وزاد فيه لفظ التحريك، ولأن الأحاديث الأخرى ليس فيها إثبات التحريك.
ومَنْ ادّعى هنا بأن المثُبت مقدّم على النافي فهو جاهل بعلم الأصول لأن هذه القواعد لها ضوابط لا تنطبق هنا، ولو أنَّ هذا المدّعي جثا بركبتيه عند أهل العلم لما وقع بما وقع فيه!! ولوجود رواية صريحة في نفي التحريك اعتبرنا لفظة ((يحركها)) شاذة، ولم يعمل بها الأئمة حتى قدماء أئمة المالكية، ليست هي مذهب مالك ولا غيره خلافاً لمن ادّعى ذلك!! فقد نص الحافظ ابن العربي المالكي في ((عارضة الأحوذي شرح الترمذي)) (2/85) على ذلك فقال: ((وإياكم وتحريك أصابعكم في التشهد، ولا تلتفتوا إلى رواية العُتْبيَّة (فإنَّها) بليّة، وعجباً ممّن يقول أنها مقمعة للشيطان إذا حُرِّكت، واعلموا أنكم إذا حرّكتم للشيطان أصبعاً حرَّك لكم عشراً، إنّما يُقمع الشيطان بالإخلاص والخشوع والذكر والاستعاذة فأما بتحريكه فلا...)) انتهى، وقد نصَّ الإمام ابن الحاجب المالكي في مختصره الفقهي على أن عدم التحريك هو مشهور مذهب مالك.
وقد نص الإمام النووي في ((فتاواه)) ص(54) وفي ((شرح المهذب)) (3/454) على كراهية تحريك الأصبع، ولأنه عبثٌ في الصلاة ومُذْهِبٌ للخشوع.
وأما حديث ((تحريك الأصبع في الصلاة مذعرة للشيطان)) فحديث موضوع، رواه ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (6/2247)، وقد لبَّس الشيخ المتناقض!! ودلّس على عاداته!! فذكر في ((صفة صلاته)) ص(158-159) ما نصه: [((وكان رفع إصبعه يحركها يدعو بها)) ويقول: ((لهي أشد على الشيطان من الحديث، يعني السبابة))]. اهـ.
قلت: والحديث ليس بهذا اللفظ، وإنما قام المذكور بدمج حديثين متغايرين ليخرج بالنتيجة التي يريدها ويهواها!! ولفظ الحديث كما في ((المسند)) (2/119) و ((الدعاء)) للطبراني (2/1087) والبزار (كشف الأستار 1/272) وغيرها: ((عن نافع أنَّ ابن عمر كان إذا صلى أشار بإصبعه وأتبعها بصره، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهي أشدُّ على الشيطان من الحديد)) (فلم يقل يُحَرِّكها وإنما قال ((أشار بإصبعه)) فانظر إلى ذلك المتناقض! كيف يحرِّف!! حتى يتم له مراده ولو بالتدليس والتلبيس) قال البزّار: تفرّد به كثير بن زيد عن نافع وليس عنه إلا هذا.
قلت: وفي سند مَنْ ذكرتُ أسماءهم ممّن رووا الحديث، كثير بن زيد وقد قال عنه هذا المتناقض المتخابط!! في ((صحيحته)) (4/328): ما نصه: ((قلت: كثير بن زيد هو الأسلمي ضعيف))!!
فكفى الله المؤمنين القتال! وكفانا مؤنة الرد عليه حيث خرّب بيته بيده!! {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} الحشر: 2.
ولو صح حديث ((لهي أشد على الشيطان من الحديد)) _ ولم يصح _ لم يكن فيه دلالة على التحريك وليس الشيطان أو إبليس غبياً حتى يضع رأسه تحت إصبع المُحرِّك حتى يُضرَبَ ويُصفع بها، والقائل بظاهر بذلك مخطئ، لأنّه لم يفهم التأويل!!
وأما رواية عبد الله بن الزبير التي فيها لفظة ((لا يحركها)) فهي ثابتة ولا يُحكم عليها بالشذوذ، وقد أخطأ من زعم ذلك، لأنَّ جميع الأحاديث الأخرى تشهد لها كحديث ابن عمر في مسلم وحديث أنس وغيرهما، فالموافِقَةُ لغالب الأحاديث رواية عبد الله بن الزبير بإثبات لفظة ((لا يحركها)) ورواية ((يحركها)) شاذة كما بينّا، وقد فصّلنا القول في هذه المسألة وفنّدنا رأي المتناقض!! فيها في رسالتنا ((تحذير العبد الأوّاه من تحريك الإصبع في الصلاة)) فلتراجع.
(5) ظنَّ بعض الناس أنَّ التحليق هو تحريك الإصبع الشاهد (السبابة) بشكل دائري كالحلقة! وليس كذلك، وإنما التحليق هو جعل المصلي إبهامه والوسطى _ وهي أطول إصبع في اليد_ على شكل حلقة، ثم الإشارة بالسبابة، وهذا لا يلزم منه تحريكٌ البتة، وارجع إلى رسالتنا ((تحذير العبد الأواه من تحريك الإصبع في الصلاة)) ص(28) فإن فيها بغية الباحث المنصف.
(6) الدارمي (1/314-315) وكذا البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (3/51) وهو صحيح.
(7) وفي رواية أخرى عند البيهقي (2/133) بنفس سند هذه عن خفاف بن غيماء بن رحضة الغفاري بلفظ: ((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما يريد بها التوحيد)) قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (2/140): ((ورواه... الطبراني في الكبير كما تراه ورجاله ثقات))، قلت: هو في أحمد (4/57).
أضف رد جديد

العودة إلى ”المذهب الشافعي“