فرضية السلام وكيفية الخروج من الصلاة

المذهب الشافعي
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 133
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

فرضية السلام وكيفية الخروج من الصلاة

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

فرضية السلام وكيفية الخروج من الصلاة

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

عن سيدنا علي رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مِفْتَاحُ الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم))(1).

وعن السيدة عائشة رضي الله عنها: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير ويختمها بالتسليم))(2).

وعن سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: ((كنتُ أرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُسلِّم عن يمينه وعن يساره، حتى أرى بياض خدِّه))(3)، وعن سيدنا عِتبان بن مالك الأنصاري رضي الله عنه قال: ((صلينا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسلّمنا حين سلَّم))(4).

وثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((صلّوا كما رأيتموني أُصلي))(5) رواه البخاري كما تقدَّم.

وعن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه قال:((ما نَسِيتُ من الأشياء، فإنّي لم أَنْسَ تَسليمَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة عن يمينه، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السّلام عليكم ورحمة الله...))(6).
وهو دليل واضح على عدم ذكر لفظة بركاته في سلامَي الصلاة.

وعن سيدنا أنس بن مالك والسيدة عائشة رضي الله عنهما قالا: ((كان صلى الله عليه وآله وسلم يُسلِّم تسليمةً واحدةً))(7).

ووردَ أيضاً في ذلك آثارٌ صحيحة عن الصحابة رضي الله عنهم، فعن القاسم: ((أنَّ السيدة عائشة كانت تُسلِّم تسليمةً واحدةً))(8).

وعن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ـ أي بسورة الحمد لله رب العالمين ـ ويسلِّمون تسليمة))(9).

وقال ابن المنذر في كتابه ((الإجماع)) ص(39): ((وأجمعوا على أن صلاة مَن اقتصر على تسليمة واحدة جائز)).

من هذه الأحاديث يتبين أن السلام ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به ولم يتركه النبي قط، ولا يقوم غيره مقامه(10)، وأقله: السلام عليكم(11) فلو أخلَّ بحرفٍ من هذه الأحرف لم يصح سلامه، والدليل على أنَّ أقله السلام عليكم عِدَّة أشياء، منها: أنَّ السلام في الشرع وفي اللغة يُطلق على لفظ ((السلام عليكم))، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((... أما يكفي أحدكم إذا جلس في الصلاة أن يضع يده على فخذه ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم))(12).

هذا أقَلُّ السلام، أمّا أكملُهُ:
فيُسنُّ أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله(13)، ملتفتاً عن يمينه عند قوله عليكم، للأحاديث المارّة بأنَّه ((كان صلى الله عليه وآله وسلم يُسلِّم قِبَلَ وجهه)) أو ((تِلْقاء وجهه)) دون أن يهُزَّ رأسه إلى أعلى وإلى أسفل حال التفاته خلافاً لما يفعله بعض العامة!! فإن هزَّ رأسه أكثر من مرتين قبل أن يتم السلام الأول(14)، بطلت صلاته وعليه أن يعيد صلاته(15).

كما يُسَنُّ أن يقول مرَّة ثانية: السلام عليكم ورحمة الله، مُلْتفتاً إلى يساره.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في (شرح المهذب) (3/478): ((إذا قلنا يستحب التسليمة الثانية فهي واقعة بعد فراغ الصلاة ليست منها، وقد انقضت الصلاة بالتسليمة الأولى، حتى لو أحدث مع الثانية، لم تبطل صلاته، ولكن لا يأتي بها إلا بطهارة)) انتهى.

[مسألة]: عن سيدنا عليٍّ رضي الله عنه وكرّم وجهه قال: ((كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُصَلِّي قبل العصر أربع ركعاتٍ، يَفصِلُ بينهُنَّ بالتسليم على الملائكة المٌقرَّبين ومَنْ تبعهم من المسلمين والمؤمنين))(16).

وعن سَمُرَة بن جندب قال: ((أمرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن نُسلِّمَ على أئمتنا، وأن نَتَحَابَّ، وأَنْ يُسَلِّمَ بعضنا على بعضٍ))(17).

يؤخذ من هذين الحديثين أنّه يستحب لمن سلّم من صلاته أن ينوي بسلامه الأول السلام على مَنْ على يمينه من ملائكة ومن مؤمني إنس وجن، وكذلك ينوي بسلامه الثاني السلام على من على يساره منهم، والمأموم ينوي الرد على الإمام بالسلام الأول إن كان عن يساره، وبالسلام الثاني إن كان عن يمينه ويتخير أن يَرُدَّ عليه بواحدٍ منهما إن كان خلفه بالضبط، والله الموفق.

[مسألة]: ويُسَنُّ للمأموم المسبوق أن لا يقوم لإتمام صلاته إلا بعد تسليمتي إمامه، ولو قام بعد السلام الأول جاز لكنّه ترك الأفضل، لكن إن قام أثناء سلام الإمام الأول أو قبله دون أن ينوي المفارقة بطلت صلاته، وكذلك يُسَنُّ للمأموم الموافق أن لا يُسَلِّم إلا بعد سلامي إمامه للحديث الصحيح ((إنما جُعل الإمام ليؤتم به..)) كالمسألة الأولى والدليل عليه حديث سيدنا عِتبان بن مالك الأنصاري رضي الله عنه قال: ((صلينا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسلَّمنا حين سَلَّم))(18).
ومعناه: سلمنا بعد أن سلَّم مباشرة في نفس الوقت والحين، ولو سلّموا معه لقال: فسلّمنا معه، فتنبه.

ودليل جواز الانفصال بنيّة المفارقة حديث سيدنا جابر الذي مَرَّ في سُنِّيَّةِ تخفيف الإمام الصلاة وفيه: (كان معاذ يُصلّي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم العشاء ذات ليلة، قال: فصلى معاذ معه ثم رجع فأَمَّ قومه فقرأ بسورة البقرة، فتنحَّى رَجُلٌ من خلفه فصلَّى وحده، فقالوا له: أنافَقتَ؟ قال: لا، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فأتاه، فقال: يا رسول الله إنك أخّرت العشاء، وإنَّ معاذاً صلّى معك، ثم رجع فأَمَّنا فافتتح بسورة البقرة، فلمّا رأيتُ ذلك تأخرتُ فَصليتُ، وإنما نحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا فأقبَلَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على معاذ فقال: ((أفتانٌ أنت يا معاذ؟!! أفتانٌ أنت؟! اقرأ بسورة كذا وسورة كذا)))(19).

قلت: ففي هذا الحديث دليل واضح على جواز مُفَارقةِ الإمام وعلى نية المفارقة، لأنَّ المفارقة أصلاً لا تحصل إلا بالنية، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يبين لذلك الرجل أنَّ ما فعله خطأ، إنما أقرّه على ذلك ولاطفه وعنّف سيدنا معاذاً رضي الله عنه لأنه أطال، وهذا كله واضح من متن الحديث المتقدّم والله الهادي(20).

ولو بقي المسبوق جالساً بعد سلام الإمام ولم يقم فيجوز ولا تبطل صلاته إن كان جالساً في موضع تشهده ـ أي المسبوق ـ لكن يُكْرَه، وإذا لم يكن هذا محل تشهدٍ لهذا المسبوق وتعمَّد الجلوس ولم يكن ساهياً بطلت صلاته لأنه زاد ركناً في غير موضعه.

ويجوز لغير المسبوق وهو المأموم الموافق بعد سلام إمامه أن يطيل الجلوس للدعاء ثم يُسَلِّم متى شاء، لأنه لم يأت في الحديث ((إذا سلَّم فسلَّموا)) ولأن الارتباط بالإمام ينقطع بسلام الإمام الأول.

ولو سلَّم الإمام تسليمة واحدة فقط فيسن للمأموم أن يُسَلّم ثنتين محافظة على السُنَّة، والله الموفق.

[تنبيه]:
ومعنى نية المفارقة هي: أن ينوي المأموم في الصلاة قطع الاقتداء بالإمام، فيقول بقلبه دون أن يتلفظ ((نويت مفارقة هذا الإمام)) فله ساعتئذٍ أن ينفصل بصلاته عن صلاة الإمام ويكمل صلاته وحده، ونية المفارقة هذه إن كانت لعذرٍ مقبول معقول جازت بلا كراهة، أي يجوز الانفصال عن الإمام حينئذٍ وليس ذلك مكروهاً، وإذا كانت بلا سبب فهي مكروهة وتُفقِدُ هذا المأموم ثواب الجماعة الذي حصل عليه.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه الشافعي في ((المسند)) (1/70) والدارمي (1/175) وأبو داود (1/168) والترمذي (1/8) وابن ماجه (1/101) وهو حسن كما تقدّم.
(2) رواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) ص(217) برقم (1547)، وأبو نُعيم في ((الحلية)) (3/82) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (2/172) مطوّلاً، وهو صحيح.
(3) رواه مسلم في ((صحيحه)) (1/409 برقم 582).
(4) رواه البخاري في ((الصحيح)) (2/323).
(5) رواه البخاري (631) والدارمي (1253).
(6) رواه ابن حبان في ((الصحيح)) (5/334) وغيره بإسناد صحيح على شرط مسلم.
(7) أما حديث سيدنا انس فرواه ابن أبي شيبة (1/335) والبيهقي في ((السنن)) (2/179) وفي ((معرفة السنن والآثار)) (3/97)، والطبراني في ((الأوسط)) (1/42/2، من زوائد المعجمين)، وهو صحيح، وقال الحافظ ابن حجر في ((الدراية)) (1/159): ((رواه البيهقي في المعرفة.. ورجاله ثقات)). وقال في ((التلخيص)) (1/270): ((وهذا سند صحيح))، وحديث السيدة عائشة حسن وله طرق وممن رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (5/335).
(8) رواه ابن أبي شيبة (1/335) وابن خزيمة (1/360) والحاكم (1/231) والبيهقي في ((السنن)) (2/179) وإسناده صحيح.
(9) رواه البزار (1/274 كشف الأستار) وهو صحيح.
(10) قال الإمام النووي في ((شرح المهذب)) (3/476):
((فلو قال السلام عليك أو قال سلام عليك، أو سلام الله عليكم، أو السلام عليهم، لم يُجِزهِ بلا خلاف، فإن قاله سهواً لم تبطل صلاته ولكن _ يُسَنُّ أن _ يسجد للسهو وتجب إعادة السلام، وإن قاله عمداً بطلت صلاته..)) اهـ.
(11) ولا يجب الإلتفات بل يُسَنُّ لحديث السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُسلِّم تسليمة واحدة تلقاء وجهه)) أي دون أن يلتفت، رواه ابن حبان في ((الصحيح)) (5/335) وابن ماجه (1/297) وهو حسن كما تقدّم.
وثبت عن السيدة عائشة أنها ((كانت تُسلِّم تسليمة واحدة قُبالة وجهها السلام عليكم)). رواه ابن خزيمة (1/360) وابن المنذر في ((الأوسط)) (3/222) وإسناده صحيح.
وفي ((القاموس المحيط)): ((وقُبالتهُ بالضم تجاهه)) أي أمامه.
(12) رواه النسائي (3/5) وهذا لفظه والطحاوي (1/269) وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(13) ولا يزيد لفظة ((وبركاته))، وأخطأ مَنْ قال بزيادتها في السلام الأول أو في الثاني أيضاً وقد أَثْبَتُّ شذوذ الرواية التي جاءت هذه اللفظة فيها مفصَّلاً موضحاً في الجزء الثالث من ((التناقضات الواضحات)) وأثبتُّ بأنَّ السُّنة الاقتصار على لفظ ((السلام عليكم ورحمة الله)) فقط دون الزيادة، إثباتاً لخطأ من زعم أنه يفهم بطرق الحديث ويعرف الشاذ من غيره!! وإلا فمن زادها لم تبطل صلاته ولا شيء عليه، لكنها لم ترد على الصحيح في السنة، بل هي من اضطرابات وزيادات بعض الرواة، فتنبّه.
(14) أي ميم عليكم في السلام الأول لأنه بها يخرج حقيقة من الصلاة.
(15) فَلْيُنَبِّه المدرسون والأئمة والخطباء عوامَّ المسلمين على هذه النقطة، لأننا نرى بعض الناس يخفضون رؤوسهم إلى الأسفل حالة الالتفات وهذا خطأ، ولم يرد، والصحيح أن يلتفتوا باستقامة ورأسهم معتدل إلى الأمام دون خفض، والله الهادي.
(16) رواه أحمد (1/85) والترمذي (2/294) وحسَّنه وهو كذلك.
(17) رواه أبو داود (1/263) وابن ماجه (1/297) والدارقطني (1/360) والبيهقي (2/181) وغيرهما وهو حديث صحيح، وقد ضعّفه بعضهم لأنه من رواية الحسن عن سمرة فأخطأ، وتجد تفنيد ما زعمه في الجزء الثالث من ((التناقضات الواضحات)).
(18) رواه البخاري في(( صحيحه)) (2/323).
(19) رواه البخاري (2/192) ومسلم (1/339) والبيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (4/151) من طريق الشافعي عن سفيان بن عيينة واللفظ له.
(20) قال الإمام الرافعي في ((شرح مسند الإمام الشافعي)) رحمهما الله تعالى في الكلام على رواية الإمام الشافعي عن ابن عيينة في هذا الحديث ((فتنحّى رجل من خلفه فصلّى وحده)) ما نصه:
((هذا يحتمل من جهة اللفظ أنه قطع الصلاة وتنحّى عن موضع صلاته واستأنفها لنفسه، لكنه غير محمول عليه لأنَّ الفرض لا يُقْطَعُ بعد الشروع فيه)) انتهى يعني أن الفرض لا يجوز قطعه بعد الشروع فيه لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} سورة سيدنا محمد: 33، فسقط الاحتمال والتغى.
أضف رد جديد

العودة إلى ”المذهب الشافعي“