.
استحباب تعجيل الإفطار وتأخير السحور
من كتاب صحيح صفة صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم
عن سهل بن سعد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر))(1). أوَّل ما ينبغي أن نتكلَّم به حول هذا الحديث هو: أن الخير المطلوب للناس ليس منحصراً سببه في تعجيل الفطر!! وإنما سبب الخير كما يرشد إليه العقل المستند إلى الشرع هو تطبيق الأوامر الإلهية والانتهاء عن المناهي المذكورة في القرآن والسنة المطهرة.
وهل يعقل أن الخير والشر مرتبطان في تعجيل الفطر أو تأخيره فقط؟!!
قلت: ومعنى (عجلوا الفطر) عندنا أي: أفطروا بعد حلول وقت المغرب مباشرة، أما ما يفعله المتمسلفون الذين يدَّعون أنهم مقتدون بالسنة وهم في الحقيقة مخالفون للكتاب والسنة من إفطارهم وتناولهم للطعام قبل حلول وقت المغرب فهم مبتدعون ومفسدون لصومهم وصوم من يقلدهم ويقتدي بهم(2). قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (4/199) عند شرح الحديث السابق: ((قال الشافعي في الأم: تعجيل الفطر مستحب، ولا يكره تأخيره إلا لمن تعمده ورأى الفضل فيه.
ومقتضاه أن التأخير لا يكره مطلقاً، وهو كذلك، إذ لا يلزم من كون الشيء مستحباً أن يكون نقيضه مكروهاً مطلقاً))(3).
والسنة أن يفطر على تمرٍ فإن لم يجد فعلى الماء لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفطر قبل أن يصلي على رُطَبَات، فإن لم تكن رطبات فتميراتٍ، فإن لم تكن تميراتٍ حسا حسوات من ماء))(4) والمختار عندنا أنه إذا لم يجد التمر أفطر على شيء حلو لينتفع الجسم بذلك وهو اختيار الروياني من الشافعية(5).
ويستحب للصائم الدعاء عند إفطاره لما رويَ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم))(6).
قال العلامة الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/233): ((روى الباقر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أفطر قال: اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبله منا ذهب الظمأ وابتلَّت العروق وبقي الأجر))(7).
ويستحب للإنسان أن يُفَطِّر الصائم عند حلول وقت الإفطار ولو على التمر والماء أو على أحدهما، لما روى زيد بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من فطَّرَ صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً))(8).
ويستحب للمسلم إذا أفطر عند أحد أن يدعو له بأي دعاء ومما جاء في ذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا لقوم فقال: ((وأفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وتنزلت عليكم الملائكة))(9) ولم يرد فيه (وذكركم الله فيمن عنده).
كما يستحب أن يقول: ((اللهم أطعم من أطعمني وأَسْقِ من أَسْقاني))(10).
ويستحب السحور لمن أراد أن يصوم بالإجماع(11)، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((تسحروا فإن في السحور بركة))(12).
قال النووي في "شرح المهذب"(13): ((اتفق أصحابنا وغيرهم من العلماء على أن السحور سنة وأن تأخيره أفضل وعلى أن تعجيل الفطر سنة بعد تحقق غروب الشمس ودليل ذلك الأحاديث الصحيحة ولأن فيهما إعانة على الصوم.... قال أصحابنا: وإنما تأخير السحور ما دام متيقناً بقاء الليل فمتى حصل شك فيه فالأفضل تركه.... ووقت السحور بين نصف الليل وطلوع الفجر، ويحصل السحور بكثير المأكول وقليله ويحصل بالماء أيضاً)).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه البخاري (1957) ومسلم (1098).
(2) وهذا الأمر الذي يفعلونه وهو الأكل بعد الفجر الصادق وقبل أذان المغرب الشرعي سنعقد له فصلاً خاصاً في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى نزيف فيه مذهبهم والله الموفق.
(3) [تنبيه]: زعم المتمسلفون أن مذهب السادة الإمامية عدم جواز الإفطار وعدم جواز أداء صلاة المغرب إلا بعد ظهور النجوم!! ومن ذلك قول سليم الهلالي وعلي الحلبي مقلدا الألباني في كتابهما "صفة صوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان" عند التعليق على حديث ((لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم)) ص 63 في الحاشية ما نصه: [قلنا: لقد وافقت الشيعةُ الرافضةُ اليهودَ والنصارى في تأخيرهم الفطر إلى ظهور النجم. أعاذنا الله جميعاً من ضلالهم].
وأقول: هذا الكلام باطل من وجوه:
الأول: أن الشيعة الإمامية الذين يسميهم المتمسلفون بالروافض لا يقولون بذلك بل هو محض افتراء، وكتبهم الفقهية خير شاهد على هذا. ومن ذلك قول العلامة الحر العاملي في كتابه وسائل الشيعة (10/137): [باب استحباب تفطير الصائم عند الغروب بما تيسر وتأكده في شهر رمضان] فتأملوا!
ثانياً: إذا كان الشيعة الإمامية قد وافقوا اليهود والنصارى في أمر فقهي لا يؤدي إلى إفساد العبادة ـ خلافاً لما يفعله المتمسلفون بإفطارهم قبل حلول الوقت الشرعي كما هو معروف عنهم وسنبينه في فصل خاص إن شاء الله تعالى ـ فإن المتمسلفين وعلى رأسهم ابن تيمية يوافقون اليهود والنصارى في كون الله تعالى عما يقولون حال في السماء وجالس على كرسي أو عرش، كما نص على ذلك ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (5/406) نقلاً عن الإنجيل، ونقله عن التوراة كما في كتاب "حمود التويجري" (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن) حيث نقل عبارة [سنخلق بشراً على صورتنا يشبهها].
فمشايخ المتمسلفين يتبنون عقيدة فاسدة منقولة من التوراة والإنجيل المحرَّفين فيوافقون اليهود والنصارى في عقيدتهم ثم يفترون على الشيعة أنهم يوافقون اليهود والنصارى في مسألة فقهية في الصيام! كبرت كلمة تخرج من أفواههم.....
ثالثاً: أن انتظار المغرب حينما يطلع النجم أمر ثابت في السنة الصحيحة! فقد روى مسلم في الصحيح (830) وغيره أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عن صلاة العصر: ((ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد والشاهد النجم)). وسيأتي هذا الحديث وذكر الآيات التي ذكر الله تعالى فيها النجوم علامات لنهتدي بها في فصل خاص في شرح وبيان تنفير هؤلاء المتمسلفين من التقاويم والروزنامات التي يدعون بأنها من أعمال المنجمين وأنها اجتالت المسلمين عن السنة!!
(4) رواه الترمذي (696) وأبو داود (2356) وابن خزيمة في صحيحه (3/277) وهو حديث صحيح.
(5) انظر "المجموع" (6/362).
(6) رواه ابن خزيمة في صحيحه (1901) وابن حبان في صحيحه أيضاً (8/215) وابن ماجه (1752) والترمذي (3598) من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وأبو مدلة الراوي له عن أبي هريرة، وثقه ابن حبان في الصحيح عقب روايته له فقال: أبو المُدِلَّة اسمه: عبيد الله بن عبد الله مدني ثقة، وكذا وثقه ابن ماجه في سننه عند روايته للحديث.
(7) قلت: وهذا الدعاء رواه ابن عمر عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، رواه الحاكم في "المستدرك" (1/422) والنسائي في "السنن الكبرى" (2/255) وأبو داود (2357) والدارقطني (2/185) وقال: ((إسناده حسن)).
(8) رواه الدارمي في "السنن" (1640) والترمذي (807) وصححه.
(9) رواه الدارمي في سننه (1772) وأبو داود (3854) وأحمد من حديث سيدنا أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((كان إذا أفطر عند أناس ...)) فذكره. ورواه ابن ماجه (1747) من حديث عبدالله بن الزبير. وهو حسن الإسناد.
ومعنى (وذكرهم الله فيمن عنده) لو وردت أي: باهى بهم الملائكة، ولا دلالة في ذلك على العــلو الحسي!! ولكنها لم ترد في هذا الحديث!
(10) هذا جزء من حديث رواه مسلم في الصحيح (2055).
(11) نقل الإجماع فيه العلامة الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/231) والنووي في "شرح المهذب" (6/360) عن ابن المنذر.
(12) رواه البخاري (1923) ومسلم (1095).
(13) "شرح المهذب" (6/360).
استحباب تعجيل الإفطار وتأخير السحور
المذهب الشافعي
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 187
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
الانتقال إلى
- القرآن الكريم وتفسيره
- ↲ تفسير آية أو آيات كريمة
- ↲ أبحاث في التفسير وعلوم القرآن الكريم
- الحديث النبوي الشريف وعلومه
- ↲ قواعد المصطلح وعلوم الحديث
- ↲ تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها
- ↲ شرح الحديث
- ↲ التراجم والرجال: الصحابة والعلماء وغيرهم
- ↲ أحاديث العقائد
- العقائد والتوحيد والإيمان
- ↲ القواعد والأصول العقائدية
- ↲ مسائل وقضايا التوحيد والإيمان
- ↲ أقوال لأئمة وعلماء ومشايخ في العقيدة ومدى صحتها عنهم
- ↲ قضايا ومسائل لغوية تتعلق بالعقائد
- ↲ الفرق والمذاهب وما يتعلق بها
- ↲ عرض عقائد المجسمة والمشبهة والرد عليها
- التاريخ والسيرة والتراجم
- ↲ السيرة النبوية
- ↲ قضايا تاريخية
- ↲ سير أعلام مرتبطة بالتاريخ والأحداث السياسية الغابرة
- ↲ معاوية والأمويون والعباسيون
- الفكر والمنهج والردود
- ↲ توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ
- ↲ الردود على المخالفين
- ↲ مناهضة الفكر التكفيري والرد على منهجهم وأفكارهم
- ↲ أسئلة وأجوبة عامة
- الفقه وأصوله
- ↲ القواعد الأصولية الفقهية
- ↲ مسائل فقهية عامة
- ↲ المذهب الحنفي
- ↲ المذهب المالكي
- ↲ المذهب الشافعي
- ↲ المذهب الحنبلي
- علوم اللغة العربية
- ↲ النحو والصرف
- ↲ مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
- الكتب الإلكترونية
- ↲ كتب العلامة المحدث الكوثري
- ↲ كتب السادة المحدثين الغماريين
- ↲ كتب السيد المحدث حسن السقاف
- ↲ كتب مجموعة من العلماء
- المرئيات
- ↲ العقيدة والتوحيد: شرح متن العقيدة والتوحيد
