نصوص المتمسلفين الواضحة
في عدم اعتماد التقاويم والروزنامات المضبوطة وكذا الأذان الذي يقوم به المؤذنون اليوم الذي يتبين للناس منه أوقات الصلوات وطلوع الشمس والذي يوحد عبادة المسلمين في البلد الواحد
والسعي الصريح لإشاعة الفوضى وتشجيعها في البلد الواحد
من كتاب صحيح صفة صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم
للمتمسلفين أقوال عجيبة غريبة في هذا الموضوع فلنعرض بعضها:
قال علي حسن الحلبي وسليم الهلالي في كتاب "صفة صوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان"(1) ص (41):
[تنبيه: أحكام الصوم المبينة آنفاً متعلقة بالرؤية البصرية (العين البشرية) ولا ينبغي التكلف والتنطع ورصد الهلال ومراقبة الفجر بالآلات الفلكية الحديثة، أو الاستمساك بتقاويم المُنَجِّمين التي اجتالت المسلمين عن سنة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم فقلَّ فيهم الخير وكثر فيهم الشر. والله أعلم.
تنبيه ثانٍ: في بعض البلاد الإسلامية يستعين المؤذنون بالتقاويم التي مضى عليها أكثر من خمسين عاماً!! فيؤخرون الفطور ويقدمون السحور فيقعون في عين المناقضة لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ففي مثل هذه البلاد يقوم بعض الحريصين على السنة بالفطر على الشمس والسحور على الفجر فإذا غابت الشمس أفطروا وإذا طلع الفجر الصادق ـ كما تقدّم ـ أمسكوا، فهذا فعلٌ شرعيٌّ صحيح لا غبار عليه، فمن ظنَّهم مخالفين: فقد أخطأ خطأً بيِّناً ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولا يخفى أن هذه العبادة مرتبطة بالشمس والفجر، فإذا خالف ذلك أناس: يكونون هم المخطئين لا من تمسك بالأصل وبقي عليه، فالأذان هو الإعلام بدخول الوقت، فإذا دخل الوقت وتأخَّر الأذان أو تقدَّم الأذان ولم يدخل الوقت فالبقاء على الأصل هو الواجب فاحفظ هذا وتدبره!].
أقول: إن هؤلاء المتعصبين للعصر الحجري والمخالفين لكتاب الله تعالى ولسنة الحبيب الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الذي دعا إلى العلم والتعلم مخطئون.
وملخص هذا الأمر كما ترى أنهم يريدون أن يبقى أهل الإسلام في حالٍ لا يؤديهم إلى النهضة والتقدم واستعمال ما يستجد من الآلات والأجهزة والدراسات للاستعانة بها على دقة معرفة الأوقات لتوحيد الصفوف وجمع الكلمة.
وكلامهما هذا باطل يمكن الرد عليه من أوجه منها:
الوجه الأول: زعمه أن ضبط الأوقات وتقييدها بالتقاويم والروزنامات تنجيم اجتال المسلمين عن السنة!! وهذا خطأ بيِّن!
لأن التنجيم منه ما هو مطلوب شرعاً ومنه ما هو مذموم!
فالمذموم هو زعم معرفة الغيب والأمور المستقبلة من النجوم، والمحمود هو النظر في حركة الشمس والقمر والنجوم لمعرفة الأوقات والفصول وهذا ممدوح ومذكور في القرآن الكريم!
لذلك عرَّف العلماء اللغويون المُنَجِّمُ بأنه: مَن ينظر فيها بحسب مواقيتها وسَيْرها(2).
وهذا أمر مذكور في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وقد مدح الله ذلك ولم يذمه فقال: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا(3)بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} الأنعام: 97، وأما القوم الذين يجهلون فلا يعرفون هذا بل يذمونه!! والآيات كثيرة منها قوله تعالى {وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} الطور:49. وقوله تعالى {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} الأنعام:96. وقوله تعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يونس:5. وهؤلاء المتمسلفون يجهلون!! وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح مسلم (830) أن صلاة المغرب حينما يطلع النجم! فعن أبي بصرة الغفاري قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العصر بالمُخَمَّص فقال: ((إن هذه الصلاة عُرِضَتْ على مَنْ كان قبلكم فضيَّعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد والشاهد النجم))(4).
وبهذا يكون التقويم والروزنامات والتنجيم الذي نعنيه أمر محمود شرعاً بنص الكتاب والسنة لأن بواسطته يتم الحساب الفلكي من هذه الأفلاك وحركتها ويضبط كل ذلك بالروزنامات والتقاويم.
وبذلك يصح للمؤذنين في العمران أن يصوِّبوا أبصارهم إلى عقارب الساعة ليضبطوا الأذان الشرعي المبني على التنجيم الشرعي ويبطل قول من خالف في ذلك(5).
الوجه الثاني: أنه كيف يمكن لمن يسكن في القطب الشمالي أو قريب منه ومن كان الليل لديه بالأشهر والنهار بالأشهر أو كان النهار ساعة أو نحوها إلا أن يحسب له (المنجمون!!) وأهل الحسبان الذين ذكر عملهم رب العزة في كتابه العزيز حيث قال: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} الرحمن:5؟!
وقد جاء في صحيح البخاري(6) (1900و1906) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر رمضان فقال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له)).
وهذا ظاهر في التقدير في الحساب ونحوه من مراقبته في جميع أنحاء العالم ومعرفة متى يتولد الهلال، وكان ذلك متعذراً من قبل فصار اليوم سهلاً بهذه الآلات ونحوها من الدراسات الفلكية المتطورة.
لذلك قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "الفتح" (4/122):
((قوله (فاقدروا له)(7) تقدم أن للعلماء فيه تأويلين، وذهب آخرون إلى تأويل ثالث قالوا: معناه فاقدروه بحساب المنازل.... وقال ابن الصلاح: معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلة وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد، قال: فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس يدركه من يراقب النجوم......)) انتهى باختصار.
ثم كيف يصنع من كان يعمل في مَنْجَمٍ أو من كان محبوساً ولا يرى النجم هل يرجع للساعة وتقاويم المنجمين أم يسأل المتمسلفين؟!
وقال بعض المتمسلفين(8):
[من ذلك تعلم أن من كان في بطن وادٍ مثلاً يسبق من كان على رأس جبل في فطره، لأنه قد تحقق من دخول الليل وذهاب النهار قبل مَنْ هو على رأس جبل، لأن الله سبحانه إنما تعبَّد الناس بالفطر متفرقين ومجتمعين(9)، فمن رأى غروب الشمس وإقبال الليل أفطر ولا حرج(10)، وإذا سمع الناس الأذان لصلاة المغرب، وكان المؤذن أميناً على الوقت عالماً بأماراته (11)(وهي إقبال الليل من المشرق، وسقوط قرص الشمس في المغرب ولو ظل شعاعها بادياً) أفطروا بهذا الأذان ولا حرج].
أقول: إن الشمس تغيب عن عين الناظر وراء الجبال عند من يكون في أسفل المدينة ربما قبل بساعتين من الذي يكون على رأس الجبل وبينهما مائتي متر تقريباً! ولم يأت الليل بعد عليهما حال غروبها عن الذي في أسفل الجبل من الجهة الشرقية!
فهل يعقل أيها الناس أن يكون المغرب قد حان على الذي في أسفل الجبل قبل الذي في أعلاه بساعتين؟!
هذا ولم يقبل الليل ولم يجيء بعد؟
فهم يريدون من الأمة أن تعتقد أنه إذا غربت الشمس وراء الجبل فإنه قد جاء الليل ويجب أو ينبغي على الصائم أن يفطر!!
وقد فهموا من مثل حديث الجدح الذي فيه: ((إذا غربت الشمس من ههنا وأقبل الليل من ههنا فقد أفطر الصائم)) أنه بغروب الشمس يجيئ الليل! وهذا خطأ!
فكثيراً ما تغيب الشمس وراء الجبل وهي في الحقيقة غير غائبة في الأفق لذلك المكان وغير متوارية في الحجاب ويبقى النهار موجوداً! ولذلك ربط الله تعالى الصيام بالليل فقال: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} البقرة:187!
والذي يرجع إلى أقوال الفقهاء يجد أن الفقهاء وضعوا علامات لغروب الشمس في الأفق مثل غياب الحمرة المشرقية أو طلوع النجم الذي سموه بالشاهد الدال على غروبها والظلمة وغير ذلك في الأماكن التي لا يرى الأفق فيها، وأما البلاد التي يقع مغربها على شاطىء البحر الكبير الممتد في الأفق فلا تعب في ذلك فإن الناس جميعاً يمكنهم إذا كان موضعهم مكشوفاً على البحر أن يكشف غروب الشمس في الأفق بكل وضوح حينما تتوارى في الحجاب.
قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (1/402-403):
[وقد اختلف العلماء بعد اتفاقهم على أن أول وقت المغرب غروب الشمس في العلامة التي يعرف بها الغروب، فقيل بسقوط قرص الشمس بكماله وهذا إنما يتم في الصحراء، وأما في العمران فلا، وقيل برؤية الكوكب الليلي وبه قالت القاسمية، واحتجوا بقوله ((حتى يطلع الشاهد)) والشاهد النجم. أخرجه مسلم والنسائي من حديث أبي بصرة، وقيل: بل بالإظلام وإليه ذهب زيد بن علي وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن عيسى وعبد الله بن موسى والإمام يحيى، لحديث: ((إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم)) متفق عليه].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) من الطبعة السابعة (1421هـ الموافق 2000م) طبع مكتبة الفرقان.
(2) "القاموس المحيط" للمجد الفيروز أبادي مادة (نجم) ص (1499).
(3) ولم يقل سبحانه لتصبحوا منجمين وتضلوا وتجتالكم عن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فالنجوم هي للهداية ومعرفة الأوقات والجهات لا للضلالة!!
(4) وسواء قال المعترض أن جملة (والشاهد النجم) مدرجة أو لم يقل فإن الشاهد هو النجم. وقد صححه الألباني المتناقض في صحيح النسائي (1/114/507).
(5) خالف في ذلك بالإنشائيات الفارغة حيث يقول: [لكنه مما يؤسف له حقاً أن المؤذنين في هذا الزمان صارت أبصارهم مصوَّبة إلى عقارب الساعة، فإذا استقرَّت العقارب على الرقم الذي يحدد الوقت أو يقاربه شرع يؤذن].
ولا بد أن تدركوا سخافة عقل كاتب هذه الكلمات لا سيما وقد نقضها مباشرة فقال عقيبها: [ولسنا نعيب على المؤذنين أن ينظروا في ساعاتهم ليعرفوا بها الأوقات بل نعيب على الجهلة من العامة وأشباههم من أهل العلم أن ينكروا على من له فقه في دينه وهو ذو بصر سليم ـ يرى به الشمس في مشرقها وفي مغربها ـ أن يفطر برؤيته التي أناط الله بها فطر الصائمين وأن يهيجوا هيجة الحمر المستنفرة...].
أقول: أولئك الذين وصف حالهم بأنهم [جهلة من العامة وأشباههم من أهل العلم] خير منه إذ قد التزموا بما التزم به كافة المسلمين المؤمنين من الانصياع لمن ضبط غروب الشمس حقيقة واحتاط لدينه في صيامه ولم يفسده كهذا المسكين الذي رأى الشمس قد غابت من وراء الجبل أو من وراء البنيان فظن أنها غابت حقيقة وتوارت بالحجاب فأفطر فأفسد صومه وصوم من قلده واقتنع بهذيانه! لا سيما وهو يظن بنفسه أنه متبع للسنة وهو في الحقيقة متبع لهواه وخيالاته!! وزاد في التيه وفي الطين بلة فوصف مخالفيه المنكرين على فعله المخالف للشريعة بأنهم حمر مستنفرة!! فتدبروا!! واسألوا الله تعالى السلامة والابتعاد عن هذه الضلالات!
(6) وكذا مسلم (1080).
(7) الظاهر أن ابن حجر كان مشغولاً بالرد على الشيعة الذين يسميهم أحياناً الروافض، إذ قال في "الفتح" (4/121) في موضوع الهلال ورؤيته قبل الزوال وبعده عند بداية رمضان فقال [لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة وهو قوله (فإن غمَّ عليكم فاقدروا له)...] ويقصد بالمخالف ههنا الشيعة فهو يود ويتمنى رد هذه الرواية ولكن أمامه عقبة كؤود وهي أن أكثر الرواة رووها!!
(8) الفارغين علمياً في كتابه "إرشاد الساري" قسم الصيام ص (31) وهذا كتاب سخيف جداً وسطحي وإنشائي يصدر في سلسلة كتيبات صغيرة، ليست لها أي قيمة علمية.
(9) هذه جملة لا محل لها من الأعراب ولا من المعنى فهي لغو كلام وإنشاء فارغ!
(10) بل هناك حرج على من كان في العمران أو غربت الشمس خلف جبل ونحوه! أما إذا كان على شاطىء البحر وغربت الشمس جهة البحر فإنه يفطر ولا حرج وكذا في الصحراء المستوية إذا كانت الأرض مستوية إلى جهة الأفق كالبحر!
(11) يقصد بالمؤذن هنا أصحابه ومقلدي شيخه المتناقض! الذين يؤذنون عندما يرون الشمس قد غابت من وراء الجبل ولم تغرب في الأفق حقيقة! وكل هذا من اللف والدوران الإنشائي الملخبط!
نصوص المتمسلفين الواضحة في عدم اعتماد التقاويم والروزنامات المضبوطة
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 187
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
