الاعتكاف
من كتاب صحيح صفة صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال العلامة النووي في "شرح المهذب" (6/474):
[أصل الاعتكاف في اللغة: اللبث والحبس والملازمة، قال الشافعي في ((سنن حرملة)): الاعتكاف لزوم المرء شيئاً وحبس نفسه عليه براً كان أو إثماً، قال الله تعالى {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} الأنبياء:52 وقال تعالى {فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} الأعراف:138 وقال تعالى في البر {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة:187. وسُمِّيَ الاعتكاف الشرعي اعتكافاً لملازمة المسجد، يقال: عكف يعكُفُ ويعكِفُ بضم الكاف وكسرها، لغتان مشهورتان عكفاً وعكوفاً، أي: أقام على الشيء ولازمه.
والاعتكاف في الشرع هو: اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنيَّةٍ].
ومما جاء في القرآن الكريم أيضاً في الاعتكاف قوله تعالى {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} البقرة:125. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتكف عشراً من رمضان فلما كان في العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يوماً(1) . وعن السيدة عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده(2) .
وهو سنة باتفاق أهل العلم وليس فرضاً(3) ، وسنية الاعتكاف في كل وقت وفي رمضان أشد تأكيداً وفي العشر الأواخر آكد لطلب ليلة القدر.
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان فاعتكف عاماً، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه قال: ((من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر وقد أُرِيْتُ هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر)). فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد فبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين(4) .
ويسن أن يكثر في العشر الأواخر من قول (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني)(5).
ويشترط في الاعتكاف النية لحديث ((إنما الأعمال بالنيات))(6).
قال النووي رحمه الله في "المجموع" (6/491):
((قد ذكرنا أن الصحيح المشهور من مذهبنا أنه يصح كثيره وقليله ولو لحظة، وهو مذهب داود والمشهور عن أحمد ورواية عن أبي حنيفة، وقال مالك وأبو حنيفة في المشهور عنه أقله يوم بكماله بناء على أصلهما في اشتراط الصوم، دليلنا أن الاعتكاف في اللغة يقع على القليل والكثير ولم يحده الشرع بشيء يخصه فبقي على أصله)).
وحديث: ((لا اعتكاف إلا بصوم)) لا يثبت رفعه بل هو موقوف من قول عائشة فلا حجة فيه(7) .
وينبغي أن يكون الاعتكاف في المسجد، وقد أجمع علماء الأمصار على اشتراط المسجد في الجملة لقوله تعالى {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة:187 ولو صح الاعتكاف في غير المسجد لم يكن للتقييد فائدة.
ومعنى الاعتكاف عندنا أن يستحضر أنه متجرِّد لله تعالى منقطع إليه ساع في مراجعة نفسه ومراقبتها وتربيتها وتزكيتها وترويضها على طاعة الله والانقياد لأوامره التي منها الإحسان للناس وعدم الإساءة والإيذاء لهم.
[ويحرم على المعتكف الجماع بالنص والإجماع، لقوله تعالى {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} البقرة:187.
وأجمع العلماء كافة على تحريم الوطء للمعتكف، فإن اعتكف وجامع فيه متعمداً فسد اعتكافه إجماعاً، لأن الوطء إذا حرم في العبادة أفسدها كالحج والصوم.
ويجوز أن يلامس بغير شهوة بالإجماع لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلامس بعض نسائه في الاعتكاف(8)].
فقد روى البخاري في الصحيح (2046) عن عائشة أم المؤمنين أنها: كانت تُرَجِّل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي حائض وهو معتكف في المسجد وهي في حجرتها يناولها رأسه.
والجنابة والحيض مانعان من الاعتكاف لأنهما ممنوعان من اللبث في المساجد قال الله تعالى {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} النساء:43 وإذا امتنع اللبث امتنع الاعتكاف.
فإذا طرأ الحيض على المعتكفة وجب عليها الخروج من المسجد فإن لبثت فيه لم يحسب من الاعتكاف لأنه منهي عنه والنهي في العبادات يدل على الفساد.
ولو طرأت الجنابة فإن كان مما يبطل الاعتكاف أو الصوم بطل الاعتكاف، وإن طرأت بما لا يبطله كالاحتلام والجماع ناسياً وجب عليه أن يبادر إلى الغسل لئلا يبطل اعتكافه فإن لم يمكنه الغسل فهو مضطر إلى الخروج(9) .
روى البخاري (2041) ومسلم (1173) عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعتكف في كل رمضان وإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه، قال فاستأذنته عائشة أن تعتكف فأَذِنَ لها فضربت فيه قُبَّة، فسمعت بها حفصة فضربت قبة، وسمعت زينب بها فضربت قبة أخرى، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الغداة أبصر أربع قباب فقال: ((ما هذا؟!)) فأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ فقال: ((ما حملهُنَّ على هذا؟! آلبر؟! انزعوها فلا أراها)) فنزعت فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال.
وفي هذا الحديث دلالات عديدة ؛ منها: أن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتكفن بإذْنٍ منه صلى الله عليه وآله وسلم، فاستفاد أهل العلم من ذلك أن المرأة لا تعتكف إلا بإذن زوجها أو ولي أمرها. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شكك في كونهن أرَدْنَ البر والتقرب إلى الله تعالى من اعتكافهن بجنبه ولذلك ترك الاعتكاف حتى يصرفهنَّ عنه.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (4/276):
((وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم خشيَ أن يكون الحامل لهنَّ على ذلك المباهاة والتنافس الناشىء عن الغيرة حرصاً على القرب منه خاصة فيخرج الاعتكاف عن موضوعه)).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه البخاري (1910) و (2044) وغيره.
(2) رواه البخاري (2026) ومسلم (1172) وهذا لفظ البخاري.
(3) نقل الإجماع فيه النووي في "شرح المهذب" (6/475) والحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/240).
(4) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (701) والبخاري (2027) وأبو داود (1382).
(5) رواه الترمذي (3513) وقال: حسن صحيح.
(6) رواه البخاري (1).
(7) انظر "الدراية في تخريج أحاديث الهداية" (1/287) للحافظ ابن حجر العسقلاني.
(8) "تذكرة الفقهاء" (6/253-254) باختصار.
(9) "تذكرة الفقهاء" (6/268).
الاعتكاف
المذهب الشافعي
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 187
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
الانتقال إلى
- القرآن الكريم وتفسيره
- ↲ تفسير آية أو آيات كريمة
- ↲ أبحاث في التفسير وعلوم القرآن الكريم
- الحديث النبوي الشريف وعلومه
- ↲ قواعد المصطلح وعلوم الحديث
- ↲ تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها
- ↲ شرح الحديث
- ↲ التراجم والرجال: الصحابة والعلماء وغيرهم
- ↲ أحاديث العقائد
- العقائد والتوحيد والإيمان
- ↲ القواعد والأصول العقائدية
- ↲ مسائل وقضايا التوحيد والإيمان
- ↲ أقوال لأئمة وعلماء ومشايخ في العقيدة ومدى صحتها عنهم
- ↲ قضايا ومسائل لغوية تتعلق بالعقائد
- ↲ الفرق والمذاهب وما يتعلق بها
- ↲ عرض عقائد المجسمة والمشبهة والرد عليها
- التاريخ والسيرة والتراجم
- ↲ السيرة النبوية
- ↲ قضايا تاريخية
- ↲ سير أعلام مرتبطة بالتاريخ والأحداث السياسية الغابرة
- ↲ معاوية والأمويون والعباسيون
- الفكر والمنهج والردود
- ↲ توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ
- ↲ الردود على المخالفين
- ↲ مناهضة الفكر التكفيري والرد على منهجهم وأفكارهم
- ↲ أسئلة وأجوبة عامة
- الفقه وأصوله
- ↲ القواعد الأصولية الفقهية
- ↲ مسائل فقهية عامة
- ↲ المذهب الحنفي
- ↲ المذهب المالكي
- ↲ المذهب الشافعي
- ↲ المذهب الحنبلي
- علوم اللغة العربية
- ↲ النحو والصرف
- ↲ مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
- الكتب الإلكترونية
- ↲ كتب العلامة المحدث الكوثري
- ↲ كتب السادة المحدثين الغماريين
- ↲ كتب السيد المحدث حسن السقاف
- ↲ كتب مجموعة من العلماء
- المرئيات
- ↲ العقيدة والتوحيد: شرح متن العقيدة والتوحيد
