جواز الاعتكاف في جميع المساجد
من كتاب صحيح صفة صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم
الأصل في هذه المسألة قول الله تعالى {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة:187 وهذا نص عام في جميع المساجد سواء المساجد الثلاثة أو غيرها.
وعقد البخاري في صحيحه باباً قال فيه: [باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها] ثم أورد الآية الكريمة السابقة.
وروى أبو داود في سننه (2/333/برقم2473) والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/321) عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: ((السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع)) صححه المتناقض الألباني في صحيح أبي داود (2/469/برقم2160) فقال: حسن صحيح(1) . وأما حديث: ((لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)) فهو ليس بحديث بل هو قول لسيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (4/272): ((وخصَّه ـ أي الاعتكاف ـ حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة)).
وحديث سيدنا حذيفة تكلَّمنا عليه بطول في رسالتنا "اللجيف الذعاف للمتلاعب بأحكام الاعتكاف" وبينَّا أنه لا يصح الاستدلال به ومخالفة الصحابة رضي الله عنهم له في ذلك وعلى رأسهم سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ونص الحديث:
عن أبي وائل قال: قال حذيفة بن اليمان لعبدالله ابن مسعود: عكوفاً بين دارك ودار أبي موسى؟! وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)) فقال عبدالله بن مسعود: لعلك نسيت وحفظوا وأخطأت وأصابوا(2) .
[فائدة مهمة]: عَوَّل المتمسلفون في هذا العصر على عدم جواز الاعتكاف في المساجد على ما ذكره شيخهم المتناقض الألباني في صحيحته السادسة ص (669) حديث رقم (2786) حيث صحح حديث ((لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)) مرفوعاً!!
والصواب أن هذا ليس بحديث بل هو قول لسيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ولا حجة بقول الصحابي كما هو مقرر في علم الأصول لا سيما وقد خالفه غيره من الصحابة! بل إن السواد الأعظم من علماء الأمة على خلاف ذلك!!
فحن نكتفي بالرد عليه! فالرد عليه هو رد عليهم جميعاً لكونهم يقلدونه ويتعصبون له!! ولا حول ولا قوَّة إلا بالله تعالى!
أقول: زعم الألباني في صحيحته (6/669) أن خمسة من الرواة رفعوا الحديث إذ قال: ((وبالجملة فاتفاق هؤلاء الثقات الخمسة على رفع الحديث دون أي تردد فيه لبرهان قاطع على أن الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم، وأن تردد سعيد بن منصور في رفعه لا يؤثر في صحته)).
وذكر الألباني ص (668و669) من الموضع الذي ذكرناه أسماء هؤلاء الخمسة وهم: 1- محمد بن الفرج عند الإسماعيلي في المعجم (3/721).
2- محمود بن آدم المروزي، عند البيهقي في "السنن الكبرى" (4/316).
3- هشام بن عمار عند الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (7/201).
4- سعيد بن عبد الرحمن عند الأزرقي في "أخبار مكة" (2/149).
5- محمد بن أبي عمر عند الأزرقي أيضاً في "أخبار مكة" (2/149).
أقول: والجواب على ذلك من أوجه:
الأول: أن سعيد بن عبد الرحمن ومحمد بن أبي عمر وقفاه ولم يرفعاه كما يجد ذلك من يرجع إلى أخبار مكة للفاكهي (2/149).
والثاني: أن رواية هشام بن عمار التي رواها الطحاوي في شرح المشكل لا تصح لأن راويها عنه هو محمد بن سنان الشيرازي وهو صاحب مناكير كما في "ميزان الذهبي" (3/575) و"لسان الميزان" (5/193هندية) هذا إذا اغضضنا الطَّرف عن هشام بن عمار وما فيه من الكلام، وكذا تناقض الألباني فيه حسب ما يمليه عليه هواه(3) .
والثالث: أن الراوي عن محمد بن الفرج عند الإسماعيلي (3/721) هو العباس ابن أحمد الوشاء المترجم في "تاريخ بغداد" (12/151) وهو مجهول الحال، إذ أنه لا يعلم ضبطه، وإن تشبَّث الألباني بقول الخطيب في تاريخ بغداد (كان أحد الشيوخ الصالحين) و (كان من الدارسين للقرآن)!! فكم من الصالحين والحافظين والدارسين للقرآن ضعفهم الألباني ومنهم الإمام أبو حنيفة!
ولم يذكر الخطيب هنالك عن أحد توثيقه ولا وثقه هو أيضاً، ورواية ثلاثة من الثقات عنه لا تجعله ثقة كما يدَّعي الألباني ههنا وإن تناقض في هذه القاعدة وخالفها في غير ما موضعٍ!!
ولذلك وصف الذهبي سند محمود المروزي بالغرابة!!
وعلى فرض صحة رواية محمد بن الفرج هذا وكون العباس بن أحمد ثقة فإن الأمر لا يقدّم ولا يؤخر ولن ينفع هذا الألباني البتة لبقية الأسباب!!
والرابع: أن جمعاً من الثقات خالفوا قضية الرفع فرووه موقوفاً أو شكوا في رفعه وهم: 1- الحافظ عبد الرزاق عند الطبراني (9/350) رواه موقوفاً جزماً.
2- سعيد بن عبد الرحمن عند الفاكهي في "أخبار مكة" (2/149) رواه موقوفاً جزماً.
3- محمد بن أبي عمر عند الفاكهي في "أخبار مكة" (2/149) رواه موقوفاً جزماً.
4- سعيد بن منصور الذي شك في رفعه كما اعترف الألباني بذلك في صحيحته (6/669).
وبذلك لم يتبق للألباني من الخمسة إلا ثلاثة واثنان منهم لا تصح الأسانيد إليهم فبقي واحد خالفة ثلاثة أو أربعة فأسقطوا روايته لهذا الأثر مرفوعاً والسلام!!
والخامس: أن هذا الحديث أو الأثر روي من غير هذه الطريق موقوفاً وهو مما يسقط رواية الرفع ويجعل هذا أثراً مجزوماً بوقفه!! فقد روى الحافظ عبد الرزاق في المصنف (4/347) والطبراني في معجمه الكبير (9/349) بأسانيد عدة بعضها صحيح عن إبراهيم النخعي هذا الأثر موقوفاً، وهو محمول على الاتصال وإن لم يدرك إبراهيم حذيفة بن اليمان! فيكون إسناده صحيحاً!
فقد ذكر الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (1/155) والمزي في "تهذيب الكمال" (2/239) عن الأعمش قال: قلت لإبراهيم أسند لي عن ابن مسعود، فقال إبراهيم:
إذا حدثتكم عن رجل عن عبدالله فهو الذي سمعت، وإذا قلت قال عبد الله فهو عن غير واحدٍ عن عبد الله.
ونقل المعلق على "تهذيب الكمال" هناك في الحاشية عن ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (1/294-295) أنه قال:
وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند لكن عن النخعي خاصة فيما أرسله عن ابن مسعود خاصة، وقد قال أحمد في مراسيل النخعي: لا بأس بها، وقال ابن معين: مرسلات إبراهيم صحيحة إلا حديث تاجر البحرين وحديث الضحاك في الصلاة(4) .
(والسادس) وهو أقواها: أن سيدنا عبدالله بن مسعود نفسه رد الرواية ووهَّمَ سيدنا حذيفة فيها إذ قال له: ((لعلك نسيت وحفظوا أو أخطأت وأصابوا)).
وبذلك يتبين فساد ما ذهب إليه الألباني من الحكم على هذا الأثر بأنه مرفوع صحيح وليس كذلك لما برهنَّا عليه والله تعالى المستعان(5) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) والتحقيق عندنا أنه غير صحيح لأنه قول لعائشة وكلمة (السنة) فيه من زيادات ابن إسحاق راويه كما بين ذلك أبو داود في السنن عقب روايته لهذا الحديث.
(2) هذا لفظ رواية الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (15/81) وهو حديث مضطرب اختلاف الرواة فيه كما سنبين إن شاء الله تعالى، ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" (4/316)، والحافظ عبد الرزاق في "المصنف" (4/348) وابن أبي شيبة (3/91) وغيرهم والصحيح أن هذا ليس بحديث بل هو قول لسيدنا حذيفة بن اليمان ومذهب له خالفه فيه جمهور الصحابة والمسلمون.
(3) كما يجد ذلك من يطالع كتاب "تناقضات الألباني الواضحات" (2/185).
(4) ونقل هذا أيضاً مختصراً له الشيخ شعيب في تعليقه على "شرح مشكل الآثار" للطحاوي (7/203) واعتمده وذهب إلى ما نذهب إليه وأطال في نقل نصوص تؤيد نقض ما ذهب إليه الألباني في المسألة.
(5) إذا علمتم ذلك واطلعتم عليه تعرفون سذاجة أحد مقلدي الألباني المتعصبة حيث يقول عن أثر ((لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)) في كتابه إرشاد الساري ص (104) من الطبعة الرابعة: [وهو حديث صحيح جداً غير معروف] وهذا كلام مضحك حقاً!! وما تفلسف به حول هذا الحديث لترويج مذهب شيخه هناك ما هو إلا إنشاءيات فارغة كفارغ البندق خلي من المعنى إلا أنه يفرقع بلا فائدة!!
جواز الاعتكاف في جميع المساجد
المذهب الشافعي
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 187
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
الانتقال إلى
- القرآن الكريم وتفسيره
- ↲ تفسير آية أو آيات كريمة
- ↲ أبحاث في التفسير وعلوم القرآن الكريم
- الحديث النبوي الشريف وعلومه
- ↲ قواعد المصطلح وعلوم الحديث
- ↲ تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها
- ↲ شرح الحديث
- ↲ التراجم والرجال: الصحابة والعلماء وغيرهم
- ↲ أحاديث العقائد
- العقائد والتوحيد والإيمان
- ↲ القواعد والأصول العقائدية
- ↲ مسائل وقضايا التوحيد والإيمان
- ↲ أقوال لأئمة وعلماء ومشايخ في العقيدة ومدى صحتها عنهم
- ↲ قضايا ومسائل لغوية تتعلق بالعقائد
- ↲ الفرق والمذاهب وما يتعلق بها
- ↲ عرض عقائد المجسمة والمشبهة والرد عليها
- التاريخ والسيرة والتراجم
- ↲ السيرة النبوية
- ↲ قضايا تاريخية
- ↲ سير أعلام مرتبطة بالتاريخ والأحداث السياسية الغابرة
- ↲ معاوية والأمويون والعباسيون
- الفكر والمنهج والردود
- ↲ توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ
- ↲ الردود على المخالفين
- ↲ مناهضة الفكر التكفيري والرد على منهجهم وأفكارهم
- ↲ أسئلة وأجوبة عامة
- الفقه وأصوله
- ↲ القواعد الأصولية الفقهية
- ↲ مسائل فقهية عامة
- ↲ المذهب الحنفي
- ↲ المذهب المالكي
- ↲ المذهب الشافعي
- ↲ المذهب الحنبلي
- علوم اللغة العربية
- ↲ النحو والصرف
- ↲ مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
- الكتب الإلكترونية
- ↲ كتب العلامة المحدث الكوثري
- ↲ كتب السادة المحدثين الغماريين
- ↲ كتب السيد المحدث حسن السقاف
- ↲ كتب مجموعة من العلماء
- المرئيات
- ↲ العقيدة والتوحيد: شرح متن العقيدة والتوحيد
