تفسير قوله جل جلاله: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}

تفسير آية أو آيات كريمة
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 215
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

تفسير قوله جل جلاله: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

تفسير قوله جل جلاله: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}:

الصحيح عندنا أن العرش كناية عن مُلْك الله تعالى ومجموع مخلوقاته وهو الكون بأجمعه أي مجموع السموات والأرض وجميع المجرات التي هي ملايين السنين الضوئية، لا جسماً مخصوصاً معيناً مغايراً لسائر المخلوقات أعظم من السموات والأرض حجماً.

قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} يونس:3.

قال ابن الأعرابي وهو من السلف (150-231هـ): [العرش: المُلْك].

وقال الفخر الرازي في تفسيره (8/205): [والحاصل أن العرش عبارة عن المُلْك، ومُلك الله تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته، ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد تخليق السموات والأرض].

وقال القرطبي في تفسيره (7/220): [والعرش الملك والسلطان. يقال: ثل عرش فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعِزُّهُ. قال زهير: تداركتما عبساً وقد ثُلَّ عرشُها... وذبيان إذ زلَّت بأقدامها النَّعل].
فالاستواء هو القهر والسلطان والملك والتدبير والقيومية، وأن الله تعالى غالب على أمره.

ومعنى قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} طه: 5، أي: الرحمن هو الرَّب المتصرّف بهذا الكون لا أحد يدبِّر الأمر غيره، فهذا الكون مقهور له بالعبودية في وجوده واستمراره.
فهذا هو معنى العلو وهو علو الربوبية على العبودية، كما تقول السلطان فوق الوزير أي العلو المعنوي، وإلا لكان المعنى كما تظن المجسمة من أنه خلق كرسياً ولم يكن جالساً عليه ثمَّ بعد الفراغ من الخلق جلس عليه، وهذه العقيدة منقولة عن أهل الكتاب وهي عقيدة فاسدة، لأنَّ فيها إثبات التشبيه والجسمية، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

وقال الإمام الماتريدي أيضاً في تفسيره "تأويلات أهل السنة" (1/411): [{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرشِ اسْتَوَى}، مع ما له وجهان: أَحدهما: أَن يكون معنى العرش المُلْك والاستواءُ التام الذي لا يوصف بنقصان في ملك، أَو الاستيلاءُ عليه، وألَّا سلطان لغيره، ولا تدبير لأَحد فيه. والثاني: أَن يكون العرش أَعلى الخلق وأَرفعه وكذلك تقدرُه الأوهام؛ فيكون موصوفاً بعلوه على التعالي عن الأمكنة، وأَنه على ما كان قبل كون الأَمكنة، وهو فوق كل شيء؛ أي بالغلبة، والقدرة، والجلال عن الأَمكنة، ولا قوة إلا باللَّه].

والذي يشير إلى أنـــه جسم مخصوص من ظاهر القـــرآن أربع آيات وهي قوله تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} الحاقة: 17، وقوله تعالى: {وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الزمر: 75، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} غافر: 7، وقوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} هود: 7.

ومعنى الحمل في الآيات الثلاث: أن إدارة الموقف يوم القيامة في محاسبة الناس وشؤونهم وسوقهم إلى الجنة أو إلى النار وتنفيذ أمر الله تعالى يحمله (أي يتحمله) ثمانية صفوف من الملائكة.
فعن سيدنا ابن عباس وعن تلميذه سعيد بن جبير في قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ} قالا: ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى. رواه ابن جرير في تفسيره (23/582-583). وابن أبي حاتم في تفسيره كما في تفسير ابن كثير (4/499).

فالملائكة عليهم السلام يكونون قد حفُّوا وأحاطوا بأرض المحشر يوم القيامة، وبعضهم قائم على تَحَمُّلِ إنجاز حكم الله تعالى في الخلق.

وقوله (ويحمل) الحمل هنا ليس حمل جسم أو شيء محسوس: وذلك كقوله تعالى:
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} الأحزاب:72، وكقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} الجمعة:5.
وكقوله تعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} الأنعام:31، وأمثال ذلك.

قال ابن عادل الحنبلي (775-880هـ) في تفسيره (3/249) والفخر الرازي (ت606هـ) كذلك (7/12):
[القول الرابع ما اختاره القفال وهو أن المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه وتقريره أنه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم من ذلك أنه جعل الكعبة بيتاً له يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم، وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله في أرضه ثم جعله موضعاً للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم، وكذلك ما ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيّين والشهداء ووضع الموازين فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشاً في قوله: {الرحمن عَلَى العرش استوى} ووصف العرش بقوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء} ثم قال: {وَتَرَى المَلائِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ} ثم قال: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} وقال : {الَّذينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ}، وكذلك إثبات الكرسيّ].

وقال الإمام النيسابوري (ت850هـ) في تفسيره (2/117): [المقصود من الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه ولا كرسي ثَمَّ ولا قعود ولا قاعد. واختاره جمع من المحققين كالقفال ...]. القفال (291-365هـ).
وأما قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} هود: 7، أي: كان أصل هذه المخلوقات من ماء حيث خلق الله تعالى الماءَ أوَّلاً ثم خلق هذا الكون من ذلك الماء.

فمعناه أن أصل مادة هذا الكون كانت من ماءٍ خَلَقَهُ الله تعالى وأبرزه من العدم. وحَرْفُ (على) يأتي أحياناً بمعنى (من) كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} المطففين:2. يعني من الناس، وكما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} المؤمنون:5-6. أي: إلا من أزواجهم.

ومما يدل على أن العرش هو مجموع السموات والأرض الذي هو ملك الله تعالى وأن الاستواء هو تدبير هذا الملك بأمره تعالى هو قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} يونس:3.

وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} الأعراف:54.

وقال تعالى: { لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} غافر:57.

وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} الحديد:4.

الملاحظ أن الله تعالى لم يذكر خلق العرش كمخلوق آخر غير السموات والأرض، وكم يوماً استغرق خلقه، كما بيَّن لنا عند ذكر خلق السموات والأرض، وذكر الاستواء على العرش بعد خلق السموات والأرض، وهذا يدل على تدبيره لملكه أي الخلائق بأجمعها وأنه القيوم عليهم بعد خلقهم كما تفيده الآيات آنفة الذكر.

فتبين أن الآيات الكريمة التي ذكر فيها حمل العرش تُحْمَلُ على أنّ إدارة الموقف يوم القيامة موكولٌ حَمْلُهُ وسوق الخلق إلى جزائهم لثمانية صفوف من الملائكة.

وتُحْمَلَ آية {وكان عرشه على الماء} على أنَّ جميع الخلق وهــو مُلْكُ الله تعالى ابتدأ الله تعالى خلقه من ماء، فحينئذٍ يكون معنى لفظة (على) في الآية الكريمة هو (مِنْ).

ومما يؤكد ما قلناه: أن ابن رجب الحنبلي يقول في تفسيره (1/548):
[قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرةَ لمَّا سأله: ممَّ خُلِقَ الخَلْقُ؟
فقال لهُ: "من الماءِ"، يدُل على أن الماءَ أصلُ جميع المخلوقاتِ ومادّتها.
وجميعُ المخلوقاتِ خُلِقَتْ منه.

وفي "المسندِ" من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرةَ رضي اللَّهُ عنه، قالَ: قلْتُ:
يا رسول اللهِ، إذا رأيتُك طابَتْ نفسِي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيءٍ.
فقال: "كُل شيء خُلِقَ من ماء".

وقد حكى ابنُ جريرٍ وغيرُه، عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، وطائفةٍ من السَّلفِ: أنَّ أوَلَ المخلوقاتِ الماءُ].
هذا كلام الحافظ ابن رجب الحنبلي.

وحديث أبي هريرة الذي في المسند (2/493) قال عنه الشيخ شعيب واللجنة التي معه:
[إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي ميمونة فقد روى له أصحاب السنن الأربعة وهو ثقة].

ثم كيف يصح أن نفسر {وكان عرشه على الماء} أن هناك ماء وأن العرش - الذي يتخيلونه أكبر من السموات والأرض وأن ما سواه أمامه كحلقة ملقاة بأرض فلاة أي كالذرة التي لا ترى أمامه – محمول كسفينة على وجه الماء؟! فيكون الماء كالبحر بالنسبة للسفينة أي أكبر من العرش بكثير! وهذا يخالف قول من يثبت العرش جسماً مخصوصاً وأنه أكبر المخلوقات!

[تنبيه]: وقد بيّنا في بعض مؤلفاتنا ما يؤكّد أن العرش ليس جسماً مخصوصاً - كما يظن البعض – وأن له ظلاً على جزء من أرض المحشر يوم القيامة اقتباساً من حديث (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله)!!

وهو أن ذلك معناه أن أناساً يكونون - حَسَب تصورهم - في ظل العرش وآخرين كثيرين لا يكونون في ظله! فهذا فيه أن الأرض أكبر من العرش حيث إن ظله يستر جزءاً من الأرض فقط، لأن القائلين بأن العرش جسم مخصوص يقولون - بناء على استدلالات متعددة -: إن الشمس والأرض ما هي إلا هباء أمام عظمة العرش فكيف تكون الشمس فوق العرش وهي في السماء الدنيا تحت العرش وتكون الأرض أكبر من العرش حينئذٍ؟!

فإن قال قائل أرض المحشر التي يكون الناس عليها يوم القيامة غير هذه الأرض وهي أرض عظيمة {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ}.

قلنا: مهما كانت تلك الأرض في العظم فإن القائلين بوجود العرش كجسم مخصوص يقولون إنه هو أعظم مخلوق على الإطلاق وجميع المخلوقات أمامه كالهباء.

ثم إنه لا وجود للشمس يوم القيامة أصلاً!! لقوله تعالى: { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ} أي ذهبت الشمس وانطفأ نورها، ولا شيء بزعمهم فوق العرش حتى يَكُونَ للعرش ظلٌّ أسفله على أرض المحشر!! إن ذلك يجعل العرش أصغر من الأرض!! فهذا قول باطلٌ متهافت، فكم في هذا القول من مغالطات لا يقبلها أي عاقل فضلاً عن العالِم بمجموع نصوص الشريعة.
فإن قال قائل الصواب أن نقول: (سبعة يظلهم الله في ظله) وليس (في ظل عرشه)!!

قلنا: لا يعني هذا أن لذات الله تعالى ظلاً حقيقياً لأنه تعالى ليس جسماً كائناً تحت الشمس! وإنما المراد مجاز ذلك!

وإذا أخذنا الكلام على ظاهره فإنه يكون حينئذ جسماً والشمس فوقه كهذه المخلوقات! ويكون ظله أو ظل عرشه قد أظل جزءاً من الأرض! وحينئذٍ يكون العرش أصغر من الأرض إن قالوا إن هذا هو ظل العرش أو ظل معبود المجسمة!

والصواب أن معنى الحديث باللسان العربي: سبعة أصناف من الناس يكونون في كنف الله تعالى ورحمته وعنايته وحمايته فلا يخافون ولا يفزعون!

اللهم اجعلنا من عبادك المؤمنين الموحدين الذين يعملون الصالحات وهم في كنف الله تعالى ورحمته لا يحزنهم الفزع الأكبر ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

والحمد لله رب العالمين
والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.


منقول من صفحة حسن بن علي السقاف على الفيسبوك
أضف رد جديد

العودة إلى ”تفسير آية أو آيات كريمة“